02‏/05‏/2012


14‏/04‏/2012

علم التوثيق

بسم الله الرحمن الرحيم 

 المقدمة:
  التوسع الهائل في النتاج الفكر الإنساني و ما تمخض عنه من كتب و نشرات و دوريات و أبحاث و غيرهما من النتاج الفكري الإنساني الذي فاق الملاين لا بل المليارات من المعلومات، أصبح هناك حاجة ماسة لترتيب هذا النتاج الهائل من الفكر، و عندما بحث المختصين بجزئية هذا الترتيب وصلوا لقناعة بان ترتيب و تصنيف هذا النتاج لا بد منه و عندما توغلوا بهذا الترتيب اكتشفوا بأن عليهم الغوص و التعمق بجزئيات لم يتطرق لها احد من قبل، لذلك أوجدوا ما يعرف ألان باسم التوثيق الذي يقوم به متخصصون لكي يوفروا لنا ما نريده من معلومات قد يتطلب البحث عنها فترات طويلة و قد نجدها بين ثنايا الكتب و المجلدات و البحوث المتخصصة أو لا نجدها وفق العرف البحثي التقليدي، و أيضا فرضت الحاجة على العلماء بأن يقوموا بما عرف لاحقا بالتحليل، أي تحليل هذه البيانات لكي يستنبطوا منها ما يساعدهم على استرجاع هذا الكم الهائل من المعلومات و البيانات، و في أثناء هذه المرحلة من التاريخ أيضا اضطر العلماء و الباحثين إلى استخدام بعض الآليات التي تعينهم على الرجوع إلى المعلومة المطلوبة من خلال استخدام ما عرف باسم الفهرسة و التكشيف التي قادتهم لعمل قوائم برؤوس الموضوعات واستنباط الكلمات الدالة عن موضوعات البحث مما شكل دافعا قويا ليكون هناك كنز عظيم من الكلمات و مرادفتها لكي ييسر عملية البحث و التقصي عن جزئية لا يمكن الوصول لها دون استخدامه، وهذا الكنز العظيم من الكلمات أطلق عليه اسم المكنز خصوصا عندما دخلت التكنولوجيا الحديثة التي تعتمد على استخدام الأدوات العصرية من حاسبات آلية و نظم تطبيقية و مصغرات فيلمية و وسائط حفظ مختلفة ساعدت الباحثين و العلماء على الوصول إلى تلك المعلومة بأقل جهد و أسرع وقت و اقل تكلفة و هذا ما يهدف له علم التوثيق بنهاية المطاف.

 نبذه عن التوثيق: 
  منذ فجر التاريخ أحس الإنسان بحاجة ماسة إلى توثيق الأحداث التي مر بها أثباتاً لدورة في المشاركة و صنع تلك الإحداث و تأثيره عليها، ولولا عملية التوثيق التي قام بها الإنسان على مر العصور لما استطعنا أن نتعرف على الحضارات المختلفة السابقة ولما وصلت إلينا أخبارهم، ونستطيع القول بأن بداية عملية التوثيق المعروفة حاليا كانت مع الحضارات الأولي حيث استخدم الإنسان طرق وأساليب مختلفة باختلاف الأدوات والمقومات المتاحة في ذلك الوقت والتي تعتمد على الظروف البيئية المحيطة بكل فترة زمنية، و يتجلى ذلك بوضوح في الآثار و العملات و المخطوطات القديمة التي عثر عليها و التي تضمنت معلومات تشير إلى الحقب الزمنية التي كان يعيش بها صانعي تلك الآثار و التي علمنا من خلالها تفاصيل حياتهم اليومية و ثقافتهم و عاداتهم و تقاليدهم. ورغم وجود التكنولوجيا الحديثة التي يسرت عمليات البحث والتحليل التي كانت مستحيلة في السابق يفاجئنا العلماء كل يوم باكتشاف جديد يساهم في التعرف على الحضارات المختلفة وحل الألغاز المحيطة بها والتي ما زالت قيد البحث والدراسة في عصرنا الحاضر. ونتيجة لذلك ظهرت في هذا المجال علوم ساهمت في قراءة التاريخ وفق تسلسلها الزمني، وأفرزت تلك العلوم عن ظهور مجموعة من العلماء والباحثين والأخصائيين اللذين حرصوا على استخدام أساليب ووسائل مختلفة للتوصل من خلالها إلى استكشاف الأحداث التي ما زالت منطوية بين ثنايا التاريخ لتوثيقها، بالإضافة إلى توثيق كافة المستجدات في عصرنا الحالي.
 التوثيـق فـي التاريــخ : تعود بدايات التوثيق إلى عصور ما قبل التاريخ ، أي أن بدايات التوثيق سبقت التدوين الكتابي ، ذلك أن التوثيق بمفهومه الواسع ، أي حفظ الأحداث التاريخية و المعلومات العلمية و نقلها إلى الأشخاص الذين يمكنهم الاستفادة منها ، ينطبق أيضاً على التناقل الشفاهـي للمعلومات و المعـارف و المهارات ، و لا بد أن نتذكر أن الشعر الجاهلي أسهم في توثيق تاريخ العرب قبل الإسـلام ، وأن ملاحـم هوميروس الشاعر الإغريقي الأعمـى " وثقت " فترة تاريخية كانت غائرة في عمق الذاكرة الإغريقية ، و أن التناقل الشفاهي لملحمتي الأوذيـسة و الإلياذة كان من أول أشكال التوثيق الشفاهي و ذلك قبل تدوينهما بقرون عديدة .
و عندما ننظر إلى التوثيق في تاريخ العالم القديم نستطيع أن نلمح أهم محطاته :
* وصلت الحضارتان السومرية و المصرية إلى مستوى عالٍ من الكتابة التصويرية ، التي اسـتوعبت تدوين الشـعر و الطـب و المعتقدات الدينية و العلوم .
* اكتشف المصريون نحو 2500 قبل الميلاد ورق البردي ، و بذلك أصبح من الممكن تبادل الوثائق ، و نقل المعلومات المدونـة من مكان إلى آخر.
* اكتشف السومريون نحو 1700 قبل الميلاد وسـيطاً آخر و هو الكتابة على ألواح فخارية ( الرقـم ) و سـجلوا عليها بالكتابة المسمارية تاريخهم وعلومهم و مبادلاتهم التجارية ، وذلك بعد أن طوروا كتابتهم التصويرية القديمة إلى كتابة مسمارية .
 * ظهرت أولى المكتبات المنظمة و المصنفة في العالم في مصر و بلاد ما بين النهرين في الألف الثانية قبل الميلاد .
* في القرن الثامن قبل الميلاد ظهرت في سـورية أول أبجدية فتحت الطريق أمام الانتشار الواسع للكتابة في العالم القديم ، و أثرت على الأبجدية اليونانية و التي انطلقت منها فيما بعد الأبجدية اللاتينية .
 * في الفترة ( 1450- 1456 ) م أخرجت مطبعة يوحنا غوتنبرغ أول كتاب مطبوع يتكون من 42 سطراً من الإنجيل ، مما منح البشرية إمكانية النشر الواسع للنصوص المكتوبة .
 * في القرن التاسع عشر ظهر نظام تصنيف ديوي Melvil Dewey، و هو أشهر و أهم نظم تصنيف المكتبات حتى اليوم .
  2- تعـريــف عـلـم الـتـوثيــق : اخذ علم التوثيق يتوسع بشكل عنكبوتي شمل العالم كله بشبكة مترابطة مع بعضها بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية وقد بدأ ذلك مع بداية البشرية، ففي أواخر القرن التاسع عشر أصدر العالمان أو تليت ولافونتين ببليوجرافية بغرض تجميع الإنتاج الفكري المنشور، بعدما أحسوا بأن المكتبات التقليدية عاجزة عن تقديم خدماتها بشكل مرضي عنه. وتعتبر الببليوجرافية التي قام به العالمان أول عمل موثق وأطلقوا على ذلك النشاط الذي قاما به توثيق، و تتالت بعد ذلك الدراسات والأبحاث المهتمة بعلم الببليوجرافية وتطورت إلى إن وصلت ما هي عليه ألان حيث يُمكننا الحصول على المعلومة بأسرع وقت واقل كلفة وجهد، وهذه العملية بحد ذاتها تعتبر إنجاز للبشرية إن قورن بما كان يحدث قبل ذلك، فمع تطور العلم ومخرجاته الحديثة أصبح التخصص في مثل هذه العلوم من المتطلبات الرئيسية والأساسية. فإذ كان العالمان أو تليت و لافونتين ومن جاء من بعدهم من علماء قد قدما لنا خلاصة فكرهم منذ القرن التاسع عشر فإن القرن الحادي والعشرين يتطلب منا المزيد من الجهد والسعي لتطوير هذا المجال، و في بحثنا هذا حاولنا البحث والخوض في علم التوثيق وهي جزئية تستحق البحث والدراسة علنا نثير اهتمام العلماء لها ونحفزهم للنقاش حولها، ومن هذا المنطلق نعتقد جازمين إن التوثيق أصبح من ضروريات العصر الحديث. وهناك الكثير من التعاريف التي أطلقها علماء أفاضل يعرفون بها التوثيق سوف نتطرق للبعض منها و إن اختلفت في صياغتها الغوية، إلا إنها تتفق في مضمونها و من هذه التعريفات ما يلي:
- 1- تعريف موريتمر تاوبة taube: يعرف موريتمر التوثيق بأنه مجموعة العمليات التي يشتمل عليها توصيل المعلومات المتخصصة و التي تتضمن العمليات التي تكون العمل المكتبي المتخصص إلى جانب العمليات المبدئية الخاصة بأعداد و نسخ المواد و ما يتبعها من عمليات التوزيع. 2- تعريف جيمس ماك jams mack و روبرت تابلور ROBART TAYLOR: عرفا العالمان التوثيق بأنه مجموعة من العمليات الأزمة لتجميع و تنظيم و توصيل المعرفة المتخصصة وذلك لغرض توفير أقصى استخدام ممكن للمعلومات التي تشتمل عليها*. 3- تعريف براد فورد BRADFORD: يرى براد فورد إن التوثيق هو عملية جمع و تصنيف جميع سجلات المعرفة و المعلومات الحديثة و تيسير استعمالها لمن يحتاجها من الباحثين و المخترعين* 4- تعريف قاموس وبستر WABASTR dctinary: يعرف قاموس وبستر التوثيق بأنه تجميع للمعرفة المسجلة و ترميزها و بثها على إن تعامل هذه المعرفة بطريقة شاملة و بإجراءات متكاملة و مع الاستعانة بعلم المعاني و الوسائل الآلية بأساليب التصوير المختلفة و ذلك حتى تنال المعلومة اكبر قدر من الإتاحة و الاستخدام. 5- تعريف شبراshera: يرى شبرا إن التوثيق هو شكل أخر من العمل المكتبي يمتاز عن سابقة بكونه أكثر عمقا في التناول و التحليل الموضوعي و الاهتمام بالتغطية الشاملة في تجميع مصادر المعلومات بصفة خاصة للمتخصصين في مجال تغطية مركز التوثيق.* و من مطالعاتنا لهذه التعريفات نرى أنها قد أعطتنا صورة واضحة عن ما هية التوثيق بشكله الواسع منذ القرن التاسع عشر إلى ألان، إلا إننا نرى إن هذه التعريفات لم تتناول الجزئية التي نطمح للوصول إليها والتي تعطينا المقدرة على التفريق بين التوثيق كعملية إجرائية تمارس على الوثيقة نفسها والتوثيق كعملية ميكانيكية لحفظ ذلك المستند، مما يعطي انطباعا وخلطاً ما بين التوثيق و التحليل، لذا نرى إن عملية التوثيق هي العملية أو الإجراء الذي يتيح لنا تحليل الوثيقة نفسها و استخلاص المفاتيح الرئيسية التي تسهل عملية الرجوع لها دون الدخول في ميكانيكية حفظها. أذن التوثيق هو العملية الفنية التي تسهم في تحديد العناصر الأولية الموجودة في قلب الوثيقة و التي تتيح لنا الأستدل عليها من بين الملاين من الوثائق بكل سهولة ويسر. ما هو التوثيق ؟ التوثيق هو العلمية المتعمقة في دراسة الوثيقة ويقوم بها أخصائي متخصص بدراسة الوثائق من خلال تحليلها، حيث يغوص الموثق بين ثنايا الكلمات ليكشف لنا ما لا يراه الآخرون وهو عمل فني جديد متطور أملته طبيعة البحث العلمي الحديثة. لماذا التوثيق ؟ سؤال تم تداوله بين المهتمين بالشأن التوثيقي لما يمثله من أهميه بالبالغة في العصر الحديث، فبعد اتساع رقعة المعرفة وزيادة الاتصال والتواصل بين مختلف الأدوات العلمية وتطورها لدرجة أصبح هناك ما يعرف PAPERLESS SOCIETY أي مجتمع بلا ورق، و أصبحت الحاجة ماسة للتوثيق سواء كان ذلك توثيقا لأحداث أو توثيقا فنيا لوثائق الإحداث، و نظرا لتعقد الأمور و تطورها بسرعة مذهلة و الاندفاع التكنولوجي غير المسبوق حتم علينا إن نتطور معه و نواكبه بعملية توثيق لكي تسهل علينا عملية استرجاع تلك الإحداث و وثائقه، وهنا انتقل التوثيق من والحجري إلى ألورقي إلى فلمي و إلى ضوئي و من ثم توثيق آلي أو الكتروني مما خلق حاجة ماسة لاتساع رقعة التوثيق بشكل مكثف ومعمق، لكي نصل بالنهاية إلى ما نحتاجه من معلومة معينة بين ملايين المعلومات التي يحتويها وعاء الحفظ، لذلك لا بد من التوثيق كمرحلة أولى وبعدها يتم حفظ الوثاق أو الوثيقة على أي من وسائط الحفظ المعروفة والمتداولة في مراكز حفظ الوثائق. مدخل إلى علم الوثائق: علم الوثائق من العلوم الأساسية لدراسة التاريخ وقد اتفق العلماء والباحثون على تعريف الوثائق من خلال معنيان كالتالي: 1-المعنى العام للوثائق: اصطلح على أن الوثائق في معناها العام هي كل الأصول التي تحتوي على معلومات تاريخية. 2-المعني الدقيق للوثاق: اصطلح على أن الوثائق في معناها الدقيق هي الكتابات الرسمية أو شبه الرسمية مثل الأوامر والقرارات والمراسيم والبراءات والاتفاقيات والمراسلات السياسية، والوثائق الشرعية، والكتابات التي تناول مسائل الاقتصاد أو التجارة أوعادات الشعوب أو نظمهم وتقاليدهم أو المشروعات أو المقترحات المتنوعة التي تصدر عن المسئولين في الدولة أو التي تقدم إليهم أو المذكرات الشخصية أو اليوميات (المصدر - المدخل إلى دراسة الوثائق العربية د.محمد عباس حمودة). ونشأت في عصرنا الحديث العديد من المجالات لخدمة علم التوثيق مثل: - العمليات الفنية - التصنيف - التحليل - الفهرسة - التكشيف - المكنز وفيما يلي سوف نقوم بتعريف كل من المجالات السابقة ومدى أهمية كل منها: في عملية التوثيق:
  العمليات الفنية: ينبغي على دارس علم الوثائق أن يكون على علم ودراية بالعمليات الفنية التي تمكنه من التحقق من جودة الوثيقة التي بين يديه كالتالي: 1- معرفة نوع المداد المستعمل في الكتابة و تركيبته والأقلام التي كتبت بها. 2- أنواع الورق المستعمل وخصائصه. 3- العلامات المائية والألياف التي تتضح عند تعرض الورق للضوء أهمية العمليات الفنية في التوثيق: من خلال معرفة العمليات الفنية السابقة يمكن للباحث التثبيت من صحة الوثائق التي تحت يده أو بطلانها وذلك باستخدام بعض الوسائل التي ساهمت في التحقق من الوثيقة مثل بعض العدسات المكبرة الخاصة، وبواسطة المجهر والتحليل الكيميائي يمكن للدارس معرفة عمر الورق، وأحيانا يمكن الاستعانة ببعض أنواع الأشعة الحمراء والبنفسجية لإظهار الخطوط غير الواضحة، أو المطموسة، أو المغيرة عمداً، ولا شك في أن هذه الوسائل قد أسهمت في مساعدة الباحث على التثبيت من صحة الوثائق أو بطلانها. التصنيف: يعتبر التصنيف هو العامود الفقري لعملية التوثيق، و تكمن أهمية التصنيف في عمليات التوثيق في وضع الموضوعات المتشابه و المتداخلة و المتشابكة في غالب يمكننا من تسهيل عملية الرجوع إلى الوثيقة، لأنها تعتبر مثل إمساك طرف الخيط المعقد ببعضه، و تقوم عملية التصنيف على أساس وضع كل موضوع بمكانه المناسب و تجميع ما يتفق مضمونه مع بعضه البعض لكي يسهل لنا عملية البحث عن ما هو مطلوب، لذلك تعتبر عملية التصنيف هي الخطوة الأولى في عملية التوثيق التي لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاهلها. و التصنيف يقوم على أساس الموضوع الرئيسي و يتفرع منه عدد من الأفرع ألا متناهية مما يتيح لنا المجال بتتبع الموضوعات وفق منطق الأصل و الفروع. أهمية التصنيف في عمليات التوثيق: تكمن أهمية التصنيف في عمليات التوثيق كون إنها من العمليات الأساسية في عمل التوثيق، حيث إننا نقوم بعملية التوثيق لحفظ المعلومات و المستندات الداعمة لها و عليه لا بد من إتباع أنجع و الطرق و الوسائل التي تسهل لنا عملية استرجع تلك الوثائق و المعلومات و على ذلك لا بد و إن نفرز و نصنف تلك الوثائق و المعلومات وفق منطق لا يمكن لأي موثق إلا أن يتبعه من خلال وضع ما هو متجانس و متلائم مع بعضه البعض. التحليل ANALYSES: يعتبر التحليل علم قائم بذاته وله العديد من الطرق والمفاهيم التي تدعمه، كما أن له أهمية كبيرة بين العلوم الحديثة التي تخدم عملية التوثيق، لذا تعتبر عملية تحليل الوثيقة خطوة جوهرية في فهم وصياغة و حفظ الوثيقة بين ملايين الوثائق، و يمكننا تعريف التحليل بأنه العملية الذهنية التي يقوم بها الشخص المعني بالتوثيق، فإذ كانت عملية التصنيف هي إمساك طرف الخيط المعقد مع بعضه، فإن عملية التحليل هي محاولة تفكيك ذلك التعقيد و ربط مختلف المصادر مع بعضها لكي نصل بالنهاية إلى استنتاج يخدم قضية البحث. أهمية التحليل في عمليات التوثيق: عندما نقوم بعملية التوثيق لابد وان يعقبها عملية تحليل بيانات الوثيقة بعد تصنيفها أي كان شكلها أو نوعها لنتمكن لاحقا من استرجاعها وفق أسس علمية ترتكز على أربع مبادئ لا يمكن الاستغناء عنها وهي كتالي:- تاريخ الوثيقة مصدر الوثيقة مستقبل الوثيقة موضوع الوثيقة وعندما يختل أي مبدأ من تلك المبادئ ويحيد عن الغرض المنشأ له أصلا تفقد عملية التحليل جوهرها وبالتالي تفقد قيمتها وقيمة الوثيقة التي قد تحمل من المعلومات والبيانات غاية في الأهمية، فلو ضربنا مثال على ذلك سنجد أن المعلومات التي تحتويها الوثيقة أن لم تصل لمتخذ القرار في السرعة و الدقة و التكلفة المناسبة قد تقود إلى قرار خاطئ يكلف الكثير وعند محاولة تعديل القرار المتخذ قد يكون له عواقب قانونية تحول دون إتمامه ناهيكم عن المشاكل الإدارية التي ستنشأ بعد ذلك، لذلك نجد أن هذه المبادئ الأربعة مرتبطة مع بعضها البعض برباط متوالي لا يمكن المساس بأي بداء من تلك المبادئ دون الإخلال بالعناصر الأخرى فيه، ومن هنا تكمن أهمية المحافظة على التوازن بين تلك المبادئ. لذا فإن عملية التحليل لا يمكن الاستغناء عنها بتاتا طالما نحن نتحدث عن التوثيق لأنها وسيلتنا الوحيدة التي تمكننا من استرجاع تلك الوثيقة، وتعتمد عملية التحليل على مقدرة المحلل وفهمه للموضوع فهم واضح و صحيح، ويجب أن يكون المحلل لديه المقدرة على ربط المعلومات مع بعضها البعض ليستخلص بالنهاية ما هو مطلوب من تحليل الوثيقة، وتكمن أهمية دورالمحلل على مقدرته بالربط بين الجزأيات المختلفة التي قد تتراءى للفرد العادي غير ذي أهمية ليستنتج منها ما هو مهم لاتخاذ قرار ما. مما سبق نستطيع القول أن التصنيف والتحليل هما عمليتين تهدفإن إلى المساهمة في العمليات التوثيقية، وهنا نتساءل هل التصنيف هو مقدمة للتحليل ؟ فالحقيقة العملية المؤكدة هي إن التصنيف جزء لا يتجزأ من عملية التحليل لآن التحليل يهدف إلى تفحص و دراسة الوثيقة ومحاولة نقلها من شكلها الأصلي إلى حزمة من البيانات القابلة للقراءة و الاستدلال عليها من بين ملاين الوثائق، و من المسلم به أن الوثائق أي كان نوعها فهي ذات أشكال مختلفة تحمل في طياتها مواضيع متضاربة، الأمر الذي لا يسمح بحفظها دون معرفة جوهرها وتحديد موضعها وفاقا لمعايير محددة على بطاقات تتوحد في أشكالها ومعلوماتها وأهدافها لغرض البحث العلمي أو للإعلام عامة، في ما تحفظ الوثائق في حافظات خاصة بها تدل على مكان وجودها على وسائط حفظ العصرية الإلكترونية أو التصوير المصغر الميكروفيلم. من المؤكد أن عملية التحليل هذه ليست بالسهولة التي يتصورها البعض إذ من المفروض أن التحليل يؤدي إلى مادة فرعية عن الوثيقة الأم بالنسبة لموضوعها، وهذه المادة فرعية بالنسبة لجوهر المعلومات الأساسية المتوافرة في الوثيقة الأصلية وطبيعي أن المادة الفرعية تأتي متنوعة تبعا لدرجة إعدادها ودقتها ولطريقة التحليل المتبعة في حين أن عملية التحليل هذه تؤدي إلى إنشاء الملخصات بمعنى أن من المحتم أن يلي التصنيف أيضا وضع الملخصات ليستطاع تحديد موضوعاتها في ضوء جوهر الوثائق فالملخصات وان كانت تحمل نتيجة تحليل للوثيقة وعلى نحو مكثف فمن المفروض أن تسجل ما مع يتفق والمنهج الوثائقي القائم في المركز أو في الدائرة. أذان التصنيف هو عملية تنظيم وترتيب الأشياء في مجموعات وفقا لتشابهها، وهذه العملية هي عملية ذهنية تتلخص في تجميع الأشياء المتجانسة وتنظيمها وفقا لتشابهها والتفريق فيما بينها لدرجة الاختلاف. الفهرسة: عملية الفهرسة أيضا جزء لا يتجزأ من عملية التوثيق بمعناها الشامل، وهي عملية إنشاء أدلة الاسترجاع أي كان نوعها أو حجمها، حيث يعتمد الموثق في عملية الفهرسة على محتوى مادة البحث والأدوات الفنية لمعالجة الوثاق. وهناك العديد من الأدوات الفنية التي تجرى لفهرسة الوثائق وفق منظور علمي، ويمكن تحديدها على الشكل التالي:- قوائم التصنيف التصنيف العشري الكامل التصنيف التوسعي تصنيف مكتبة الكونجرس الأمريكية التصنيف الموضوعي التصنيف التوضيحي التصنيف الببلوغرافي قوائم رؤوس الموضوعات، وهي تعتمد على ثلاثة شعب قائمة على التفرع من ثلاثة أجزاء وهي كالتالي:- - الموضوع الرئيسي وهو بمثابة الرأس. - التفريع الأول وهو الفصل.
 - التفريع الثاني وهو فرع. التكشيف: التكشيف هو احد العمليات التوثيقية التي يستقى منها الكلمات الدالة على الموضوع المراد توثيقه، وتعتبر ضرورية ومتممة لإعداد الفهارس، وعملية التكشيف هي جزء لا يتجزأ من عملية التوثيق التي تساعدنا بعملية استرجاع المعلومات من خلال الكلمات الدالة و مرادفتها. المكنز: المكنز هو من الأدوات الرئيسية في عملية التكشيف، فأي تحليل موضوعي للوثيقة لا يمكن الاستغناء عن المكنز و كلماته الدالة و مرادفتها، بحيث يستخرج المُكشف الموضوعات الرئيسية ويعبر عنها بواصفات المكنز وهذه الواصفات ستكون مفاتيح البحث داخل قواعد البيانات عن الموضوعات المشمولة بالوثيقة. إذن المكنز هو الوعاء الذي تتجمع به الكلمات الدالة و مرادفتها و مشتقاتها التي تأتي نتيجة عملية التكشيف و التحليل الموضوعي للوثيقة بحيث يمكننا من البحث عن الكلمة و مشتقاتها و مرادفتها فلو أخذنا مثالا كلمة برمجة الحاسوب كما جاء بمكنز جامعة الدول العربية يندرج تحتها العديد من المشتقات و المسميات، بحيث تصبح كالتالي:- برمجة الحواسب الإلكترونية البرمجة المصغرة أنظمة البطاقات المثقبة إدارة برمجة الحاسوب برامج الحاسوب البرمجة الرياضية البرمجة الخطية البرمجيات تحليل النظم تشخيص الأخطاء في علم الحاسوب توثيق و معالجة البيانات الحواسب الخوارزمية لغات البرمجة معالجة البيانات عناصر الوثيقة: قبل أن تتوغل في رسم دور الوثائق وتتبع نتائجها وأثرها في الحياة المعاصر لابد من دراسة ماهية الوثيقة ومقوماتها العلمية كي يؤخذ بها ويعتمد عليها في التحقيق و التثبت و تعتمد الوثيقة في الأصل كمستند علمي أو مالي على أربعة أسس هي: - تاريخ الوثيقة - مصدر الوثيقة - مُستقبل الوثيقة - موضوع الوثيقة ويمكننا هنا أن نعطي مثلاً على ذلك من خلال عرضنا لقصة "الحجر المؤابي" حيث رويَ في التوراة المحرفة أن الصهاينة لهم انتصارات ساحقة على العرب وأنهم أصحاب حق وهم من قاموا بإنشاء المدن وشق وحفر الآبار الطرق وبناء القلاع... إلى أخره. إلى أن تم العثور في الأردن على حجر يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد يعرف اليوم "بالحجر المؤابي" ووجد مكتوب به الحقيقة المنافية لكل ادعاءات اليهود الصهاينة كما زعموا، واعتبر هذا الحجر وثيقة في أثبات حق العرب وإبطال ادعاءات اليهود لأن العناصر الأساسية للوثيقة توفرت في هذا الحجر كالتالي: - أن التاريخ مدون بالحجر وهو القرن التاسع قبل الميلاد.
 - أن مصدر الوثيقة هي الأرض التي زعم اليهود بأنها ملك لهم. - أن مُستقبل الوثيقة هم أحفاد من عصروا على هذا الحجر. - أن موضوع الوثيقة يدحض الادعاء الكاذب من خلال ما تم كتابته على الحجر وتكذيب مزاعم اليهود. الوثاق أو الموثق: لم تأخذ الوثائق طرقها إلى العالم إلا بعد أن خضعت للدراسات النقدية وتفرغ لها الباحثون والدارسون، والمتخصصون الذين يدرسون الوثائق ليؤكدوا على الصالح منها للحفظ المستديم وذلك في ناحيتن: مادية، وجوهرية. والحقيقة التي لا يرقى إليها الشك فالوثاق هو الخبير الذي يهتم بالوثيقة فيدرس جوهرها ليقرر صلاحيتها للبحث العلمي، أو للحفظ لأن ليس كل ما كتب وثيقة، ومن هنا يأخذ بجمع الوثائق ويؤمن من بعد ذلك حركتها ضمن خطة مرسومة هادفة أو وفاقا لما يعرف بالنمط الواحد فيصنفها، ويفهرسها و يكشفها ويبثها أن لم تكن بحاجة إلى ترميم، ويسترجعها كلما دعت الحاجة إلى ذلك وبالتالي يردها إلى الحفظ. ومن مهام الوثاق "الصيانة" وفاقا للأسس العلمية المقررة وفي الأماكن المناسبة في ظل درجة حرارة مقررة، والأماكن المناسبة تبني وفاقا لمخططات هندسية ملائمة لطبيعة الوثائق، ومتفقة مع أهداف وغايات هذا العمل التقني، إذن الوثاق والموثوق هما لفظتان لمهمة واحدة. فإلى جانب ما قدمنا في وظيفة الوثاق فإن مهمته الأساسية تكمن في الإجراءات الفنية التي تتخذ على الوثيقة و ييسير استعمال المعلومات الأصلية التي سجلت في الوثيقة الكتابية بخاصة: الدوريات والنشرات، التقارير والمواصفات وبراءات الاختراع وما كان مماثلا لها في المدونات الخطية ومن هذا العمل بالذات عرف التوثيق بأنه عملية جمع وتصنيف جميع المدونات والمعلومات الحديثة، وتيسير استعمالها لطالبيها، إن المعلومات مهما تكن قيمتها العلمية تفقد هذه القيمة أن لم تخضع لعملية التوثيق بمفهومها المتقدم لوظيفة الوثاق أو الموثوق. وفي الحقيقة ومهما تضاربت الآراء حول التعريف بالمهمة التي يقوم بها الموثق أهي مرتبطة بعلم المكتبات، أم منفصلة عنه، فهي تؤكد على أن التوثيق ما هو إلا جانب من علم المكتبات، إلا أن له خاصيته وطبيعته ودراساته الخاصة من ناحية في ما تنطبق عليه أكثر النظم المكتبية، وهذه الطبيعة يجب أن يدركها الوثاق ويعمل في ضوئها. أنواع الوثائق وأشكالها: عند عرضنا "للحجر المؤابي" كوثيقة يعتد بها لدحض ادعاءات الصهاينة، كان القصد منها تأكيد إن الوثيقة مهما كان شكلها مختلف إلا إنها تتفق بالمضمون الوثائقي الذي يغير من فكرة معينة و وجهة نظر مترسخة. و من هنا يمكننا إن نعدد أنواع الوثائق و إشكالها على إنها تنقسم إلى أربعة أنواع رئيسية وهي كالتالي:
 أ - الوثيقة الكتابية: لا شك في أن هذا النوع هو الذي يعتد به، ويعتمد عليه لأنه يقوم على واقع ثابت لا يحتاج إلى دراسات مطولة، أو اجتهادات، أو خبرات خاصة قائمة على الترجيح أو التخمين. ويقصد بالوثيقة الكتابية كل ما دون كمخطوط أو مطبوعة، فالرسالة والدورية في علم التوثيق تعني كل نشرة تحتوي على عدة موضوعات لعدد من الكتاب، أو المحررين ولها اسم خاص هو عنوانها الذي تعرف به، وتظهر بأجزاء متتابعة وفي مدد محددة، ولزمن معين، وتشتمل عادة: - الصحف "الجرائد" والتي تهتم بملاحقة الأخبار المحلية أو الدولية ونشرها، وفي نطاق ذلك تظهر المجلات على تعدد موضوعاتها واهتمامها. - المذكرات وهي ما يدونه المرء سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو عالما أو أديبا أو فنانا، يدونون فيها خواطرهم والأحداث التي عاشوا واقعها، ومحاوراتهم وذكرياتهم. - التقارير وهي صورة لنتائج علمية، أو تحقيقات إدارية أو عرض لواقع صحي، وبعبارة أخرى كل ما يشتم منه صفة التقرير. - البيانات وهي ما يعرض فيها وجهات نظر خاصة ومعينة تميط اللثام عن أمر غامض، يحاولون فيها نشر ما ينير أفكار الناس نحو موضوع واحد على الأغلب فيه التأكيد وجهة نظر معينة أو نفيها، والبيانات وإن اخذ بها البعض كوثائق لاسيما بعد أن يتقادم عليها العهد وتصبح موضع للدراسات النقدية، لا تعتبر دورية حسب المفهوم الفني لأنها لا تصدر على شكل واحد، وفي زمن محدد أسبوعي، أو شهري، أو فصلي، أو نصف سنوي، وحتى حولي. إن السجل الثقافي الذي يدون عادة النشاطات الفكرية ويسجل الندوات العلمية، والمناظرات الأدبية، والمحاورات السياسية، وهو أيضا إحصائية تثبت تحقيقات عددية، كما هو تقرير رسمي يتناول الحياة الفكرية على أوجهها جميعا وربما كان ولا ريب مجموعة محاضر لجلسات المؤتمرات والاجتماعات، وبعبارة أدق فإن الوثيقة الكتابية هي كل ما يعيين الكشف حول حقيقة تاريخية أو علمية. و مع التأكيد على إن الوثائق الكتابية مهمة مهما كانت قيمة ما تحتويه إلا إن هناك اختلاف بين الخبراء حول الكتاب والكتيب من حيث قيمتها التوثيقية، فيرى الغالبية منهم إن لا الكتاب والكتيب لا يعتبر وثيقة إلا إذا كان نادرا ومفقودا ويؤكد على ثوابت يقرها العلم ويطمئن إليها العقل ب - الوثيقة التصويرية: هذا النوع من الوثائق في درجة تلي الوثيقة الكتابية والتي تعتبر في علم التوثيق وثيقة مساعدة بمعنى لا يعتد بها وحدها ويعتمد عليها لأن الجوهر فيها موضع ترجيح وتشكيك، ولا ينظر إليها إلا في حال استطاعت أن تنير جانبا من البحث، وهكذا تساعد على التحقيق والكشف، وهي على الغالب: رسم ما نقل بالزيت، أو بالقلم، أو بالفحم، وصورة، أو نقش في الحجر، أو كفت في النحاس، أو تنزيل بالخشب، أو تكوين في الجص، وربما كانت هذه الوثيقة المساعدة صورة شمسية تعين على التحقيق، فالهوية الشخصية، وجواز السفر لا يعتد بهما كوثيقتين في إثبات الشخصية بالرغم من صدورها عن دائرتين رسميتين إلا إذا كان كل منهما يحمل صورة الشخص، والصورة مصدق عليها من مرجع قانوني وممهورة بخاتم الإدارة الرسمية، فالصورة الشمسية جاءت هنا مساعدة للوثيقة الكتابية التي هي الهوية الشخصية، أو جواز السفر. في ظل هاتين الوثيقتين الهوية الشخصية و جواز السفر، نجد أنهم كثيرا ما يتم تزويرهم، ولكن مع ذلك لا نستطيع أن ننكر أن الهوية وجواز السفر ليس كل منها وثيقة أصلية، وأخرى مساعدة بالرغم من التزوير الحاصل فيها، لان هذا التزوير يكتشفه عادة علم السجيلوغرافيا " SIGILLOGRAPHY " الذي له كتبه وخبراؤه خريجو مدارسه المتخصصة في علم التزوير والجريمة. ومع الصورة الشمسية فاللوحة أيا كان شكلها، والخيالة "السينما"، أو التلفزة اللتان تحتفظان والى أجيال بحقائق عن معارك وحروب في حال تسجيلا حيا، فهي عندئذ أشرطة وثائقية تعيين على إيضاح جانب كبير من تاريخ ما تعرض له، أما إذا كانت مهيأة في المعامل فلا يعتد بها لاسيما وأنها تعرض وجهة نظر تتفق والمصدر، وعندئذ فلا بد للخصم هنا من أن يصور فيلما آخر مناقضا، وبين الشريطين يمكن التوصل مع الوثائق الكتابية إلى ما تطمئن إليه النفس، ويثق به العقل. ج - الوثيقة التشكيلية: تعتبر هذه الوثيقة كسابقتها في إطار الوثائق المساعدة وربما جاءت في منزلة الوثيقة التصويرية لأنها مماثلة لها في كثير من المقومات، و غالبا ما يكون لها قيمة مالية كبيرة خصوصا عندما تكون قد صيغت بيد احد المشاهير في العلوم التشكيلية، فالوثيقة التشكيلية في الغالب تشتمل على: - الآثار المعمارية كقصر الحمراء في غرناطة، ومسجد قرطبة، وقصر أشبيلية، وجامعة القرويين في فأس وقبر السند باد البحري قرب بغداد، وأهرام الجيزة، وجامع شيرشاه في دلهي، وبرج الحسن الثاني في الرباط، وكنيسة باسيل الطوباوي في موسكو وكنيسة القيامة في القدس وقوس قسطنطين في روما وغيرها من العام الخالدة. هذه المعالم وإضرابها في أنحاء المعمورة تعتبر من الوثائق المساعدة، إذ تساعد على دراسة حضارات الأمم القديمة، وتحدد مظاهر الرفاه، أو مستوى التدين عندها وربما يتوصل الأثريون في الكشف عن تاريخها إلى نتائج مذهلة في إدارة العمارة ومعرفة أسرارها، والمواد التي استخدمت في إقامتها بعد أن فقدت الوثائقية الكتابية التي خططت لهذه المعالم العظيمة، هذه إذا وجدت في الأصل. - التماثيل ومستوى القدرة الفنية في نحتها ومبلغ عبقرية مبدعيها وطاقتهم الخلاقة ولكم يقف السائح عند تمثال أبى الهول في الجيزة يستكشف فيه اهتمام المصريين القدماء في تخليد ذكراهم، فضلا عن تماثيل عظماء العام التي ترفعها الدول في الساحات العامة والميادين تخليدا لهم وتحديدا لتواريخ ولادتهم زفاتهم، الأمر الذي يدفع بالشعوب إلى تخليد ذكراهم وربما الانكباب على دراسة مآثرهم في مجالاته إبداعهم، و هذه المعالم والتماثيل والأبنية المنتشرة في أنحاء المعمورة تعتبر من لوثائق المساعدة، إذ تساعد على دراسة حضارات الأمم القديمة و تحدد مستوى مظاهر الرفاه أو مستوى التدين و مستوى العلمي التي وصلوا لها و ربما يتوصل العلماء إلى نتائج مثيرة و مذهلة في إدارة العمارة و معرفة أسرارها و المواد المستخدمة في تشيدها. - المسكوكات من النقود والميداليات والأوسمة وهي ذات قيمة حضارية كبيرة بخاصة قطع النقود الرومانية والأموية التي ضربت لأول عهد العرب بالتحرر من استخدام النقود الأجنبية، فالدينار الأموي الذي سك من الذهب أو الفضة يكشف عن جوهر هذه الصناعة الأولية ومدى بساطتها وعدم توافق الدنانير جميعا في الشكل إذا ما قيست هذه الدنانير إلى مسكوكات الأمم المعاصرة في الذهب كالليرة العثمانية الذهبية، أو الليرة الإنكليزية ملك، والبيزوس المكيسكي والليرة الإيرانية، والتي جميعها هي أيضا موضوع نقد رجال المال بخاصة إذا ضاعت معالم الكتابة فيها، أو بهتت تسننانها الدائرية فيتدنى عندئذ سعر مبادلتها بنقود أخرى حتى نجد أن الليرة الإنكليزية ملك ثمة باب أول، وباب ثان تماما كحال الليرة العثمانية الذهب. فالنقود القديمة كما الميداليات والأوسمة وثائق مساعدة وربما فيها الزائف والصحيح وبالنظر لقيمتها المادية الكبيرة وبخاصة الدنانير العربية والنقود الرومانية فقد نشط المزورون بتزويرها و الاستفادة من قيمتها االمعنوية والتاريخية، لذلك فثمة محاولات واسعة في تزويرها وهي تغطيتها بنوع من الزنجار (صدأ)المركب الكيماوي لكي يدل ذلك على سحقها في الزمن فيغلو ثمنها أضعافا، غير أن علم السجيلوغرافيا كفيل بالكشف عن الزائف من المقلد.
 د - الوثيقة السمعية أو المرئية: وتدخل هذه الوثيقة أيضا كنوع ممن أنواع الوثائق المساعدة وهي في الغالب تسجيلات صوتية أو إذاعية، أو تسجيل أسطواني، أو شريط سينمائي ناطق. و بالطبع فأن الوثائق الكتابية والتصويرية والتشكيلية لها مظاهر معروفة و مؤكدة ببعض الحقائق والمؤتمنة على معلومات تاريخية أومظاهر حضارية أوقيمة معمارية بالنسبة للأبنية والمعالم، أما الوثيقة السمعية هذه فقد دخلت في مجموعة الوثائق المساعدة مع التطور المعاصر وبعد ظهور الكهرباء وابتكاراتها الصناعية والآلية، ومن ثمة الإلكترونية التي أغنت هذا النوع من الوثائق التي يعتمدها الخبراء في دراسة الغناء ومستوى الصوت وطبقاته عند المغنين حيث ينهضون بدراساتهم النقدية و يجعلون المغنين رتبا ودرجات في ضوء براعتهم في الأداء وخبرتهم وثقافتهم الفنية، في ما ينهض به ألاخرون بدراسة اللهجة الخطابية، أو أسلوب الحوار والنقاش عند رجال السياسة وزعماء العالم فيستندون بذلك إلى دراسة شخصياتهم ومدى تأثيرهم على الجماهير، أو مبلغ براعتهم ونجاحهم في الحوار، وفي ضوء كل ذلك وإلى جانب الآثار المكتوبة التي تركها هؤلاء الكبار يمكن تجسيد حقائق هؤلاء الرجال الأفذاذ من خلال الوثيقة السمعية أو المرئية. لقد دخلت هذه الوثيقة اليوم كل بيت إذ أن كثيرا من العائلات يلذ لها أن تسجل الكلمات الأولى لأطفالهم، خلال مناسبات متعددة ومع تقدمهم في الحياة فتحفظ لهم بذلك تصبح وثيقة غنية بالعبر والعظات. في ظل ما تقدم نؤكد على أن الوثائق في جوهرها أربع أنواع، الأصلية، وهي الوثيقة الكتابية، والمساعدة وهي الوثائق التصويرية، والتشكيلية أو السمعية وهي كلها إما مدونة بالقلم أو منحوتة بالأزميل، أو منقوشة بالحجر أو مسجلة على أشرطة ممغنطة وهي جميعا وعلى تعدد أنوا عها واختلاف أسمائهم تعيين على التثبت والتحقيق. ومن هنا نستخلص من أشكال و أنواع الوثائق إن لها دورا إنسانيا وحضاريا عظيما وهي تساعد في عملية التوثيق التي تهدف إلى تجمع الوثائق لغرض البحث العلمي، أو التنظيم, والتخطيط، والتطوير الإداري، وتوفير المعلومات، وكل ما يتعلق بالدراسات المقارنة وقد عبرت تلك الأنواع و الإشكال عن الإنسان وواقعة، فالتعريف بنشأة تاريخ الكتابة يأتي ولا شك تمهيداً لتحديد دور مركز التوثيق وغاياته، وأقسامه، ووظائف وحداته، وتنظيمه الإداري وعمله التقني وبالتي أثره في الحياة المعاصرة. أهمية الوثائق والمعلومات في اتخاذ القرار: أكد العالمان ألكسندر و بيرك في قولاهما عن أهمية الوثائق بأنه لو تحطمت كل الآلات الحديثة ومعامل الذرة وبقيت الوثائق لتمكن رجال العصر من إعادة بناء الحضارة الآلية، ولكن لو ضاعت الوثائق فان عصر الآلة يصبح شيئا من الماضي، لذلك فان أهمية الوثائق تكمن في قيمتها المعلوماتية والتاريخية التي تحتويها تلك الوثيقة، أما أهميتها في اتخاذ أي قرار فان توفر المعلومة المطلوبة في الوثيقة يعتبر من الأساسيات التي تشد عود تلك الوثيقة وتعطيها مكانة عالية من بين مختلف الوثائق التي تحمل مختلف المعلومات، لذلك يتضح أن هناك ترابط كبير بين الوثيقة وما تحمله من معلومة وبين سلامة اتخاذ القرار المطلوب، وهنا يمكننا أن نتخيل لو اتخذ قرار مبنى على معلومة في وثيقة غير متكاملة الأركان ويشوبها الشك في صحة معلوماتها ويمكن الطعن بها بكل سهول، ماذا يمكن أن يكون شكل وقوة القرار الذي قد يرتبط بمصير دولة أو سيكلف الكثير من المال ؟ فلو أردنا أن نأخذ مثال على أهمية الوثيقة والمعلومات في اتخاذ القرار فلا نجد أفضل من المعلومة التي سربت بقصد أو بدون قصد للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عندما دست كلمتين في احد الخطابات الهامة التي ألقاها وقال بها أن العراق استورد يورانيوم من النيجر لصنع قنبلة نووية، وأتضح لاحقا أن هذه المعلومة يشوبها شك كبير وقد يفقد منصبة نتيجة لهذه الكلمات، أما توني بلير رئيس وزراء بريطانيا قال أن العراق يستطيع استخدام أسلحة الدمار الشامل في غضون خمسة وأربعين دقيقة وأتضح لاحقا أن هذه المعلومة غير دقيقة واعتبر انه ضلل البرلمان وقد يفقد منصبه بسبب هذه المعلومة غير الدقيقة.
 ومن هنا فإن أهمية الوثائق والمعلومات أصبحت في يومنا هذا من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الكثير من القرارات ذات أهمية مصيرية.فكلما كانت الوثيقة ومعلوماتها دقيقة كلما كان القرار سليم والعكس صحيح. أو من وجهة نظر أخرى:
 نـظـم تعـريــف عـلـم الـتـوثيــق : تختلف تعريفات علم التوثيق باختلاف النقطة التي نرغب بالتركيز عليها ، و لعل أهم و أفضل هذه التعريفات هو : " التوثيق هو علم السيطرة على المعلومات " . ذلك أن هذا التعريف ينطبق على نظم التوثيق التقليدية . كما يستوعب الاتجاهات الحديثة لهذا العلم ، فالمعلومات يمكن أن تتضمن جميع أشكال حاويات المعلومات بدءاً من الوثيقة و الكتاب و انتهاء بالصورة و التسجيلات الصوتية و الفيديوية و النصوص الإلكترونية ، كما أن مفهوم السيطرة يتضمن العمليات الفنية التقليدية كالتجميع و الاختزان و الفهرسة و التصنيف و التكشيف ، كما يتضمن الاتجاهات الحديثة كمحركات البحث و المكانز الآلية و الفهرسة الآلية . الـتـوثـيـق الـتـقـلـيـديـة : في القرن التاسع عشر بدأت ملامح ظاهرة انفجار المعلومات بالإعلان عن نفسها ، مما دفع بالموثقين إلى استكشاف أساليب جديدة تساعدهم في مواجهة هذه الظاهرة ، و قد كان التحذير الذي ورد على لسان جوزيف هنري ، و هو أحد أهم العاملين في مجـال المكتبات في الولايات المتحـدة و بريطانيا ، إذ أسهم في إنشاء 380 مكتبة في هذين البلدين ، وقد عبر عن قلقه تجاه مستقبل التوثيق عام 1851 قائلاً : " لقد أثبتت التقديرات أن مقدار ما ينشر سنوياً من مصادر المعلومات ، يبلغ نحو عشرين ألفاً من المجلدات ، بما فيها النشرات ، و تعد كلها إضافة إلى رصيد المعرفة البشرية ، و مالم ترتب هذه الكميات الضخمة بطريقة ملائمة فسوف يضل الباحثون سبيلهم بين أكداس الإنتاج الفكري ، كما أن تل المعلومات سوف يتداعى تحت وطأة وزنه " . و يمكن أن نقول أن علم التوثيق الحديث انطلق في القرن التاسع عشر، حيث شهد هذا القرن ولادة نظام ديوي للتصنيف ، و شهد انطلاق معظم الأساليب المستخدمة فيما بعد في مجال التوثيق و وضع أسسها العلمية كالفهرسـة و التكشيف و التحليل الموضوعي و التصنيف و الاستخـلاص ، و نوجز فيما يلي أهم الأدوات المستخدمة في نظم التوثيق التقليدية :
* الكشافات : هي إحدى الأدوات الأساسية المستخدمة في استرجاع المعلومات ، و تعنـى الكشافات بتنظيم المقالات و الدراسـات و البحوث داخل الدوريات أو الصحف أو الكتب ، و يكون تنظيم الكشافات إما موضوعياً أو ألفبائياً أو زمنياً أو رقمياً .
 * المستخلصات : هي ملخصات دقيقة تبنى بصورة علمية وفقاً لقواعد الاستخلاص التي تتوخى تضمين الملخص كل العناصر الموجودة في المادة الأصلية ، وتصاغ بأسلوب مشـابه للوثيقة الأصلية مع وصف ببليوغرافي يسهل استرجاع الوثيقة الأصلية . و تتنوع المستخلصات وفقاً للهدف من إنشائها فهنالك المستخلصات الوصفية و المستخلصات الإعـلامية و المستخلصات الموجـزة (التلغرافية ) .
 * الأدلـة : تفيد في الوصول إلى المعلومات الجارية و المتجددة و تعرف بأنواعها و أماكن وجودها ، و هنالك أنواع عديدة من الأدلة نوجز أهمها فيما يلي : - أدلة الأفراد : تعرف بالخبراء المتخصصين في مجال معين . - أدلـة الهيئات و الجمعيات و المنظمات الدوليـة : تعرف بهـذه الجهات و أعمالها و أقسامها و مهامها و أنظمتها و خدماتها . - أدلة الدوريات : تعرف بالدوريات و تخصصها و أماكن صدورها . - أدلة المؤتمرات و حلقات البحث : تعرف بالندوات و غاياتها و أنواعها و أعمالها و توصياتها و البحوث الصادرة عنها . - أدلة المواد السمعية و البصرية: تعرف بالأشـرطة الصوتية و الفيديوية و الأفلام و الصور و الشرائح الثابتة و الأقراص الليزرية .
 * نظم التصنيف : هي إحدى الأدوات الأساسية المستخدمة في تنظيم المكتبات و دور الأرشـيف ، و يغلب على نظم تصنيف المكتبات و نظم تصنيف مراكز المعلومات الصحفيـة الطابع الموضوعي ، و الانتقال من رأس الموضـوع العام إلى رؤوس الموضوعات الفرعية ، في حين تعتمد دور الأرشـيف على تصنيف الوثائق الورادة إليها وفقاً للجهة التي أصدرتها .
 * نظم الفهرسة : و هي إحدى الأدوات الأساسية المستخدمة في تنظيم مـواد المكتبات و دورالأرشـيف ، و تدل هذه النظم على طريقـة وصـف أوعية المعلومات وفقاً لقواعد علمية موضوعة سلفاً بحيث تغطي وصف وعاء المعلومات من جميع الجوانب الممكنة . * المكانز : هي النظم التي تتضمن كلمات البحث الرئيسة ( الكلمات المفتاحيـة ) و التي تستخـدم في تخزيـن المعلومات و من ثم استرجاعها و غني عن البيان أن المكانز هي لغة مقيدة ، أي أن الواصفات المستخـدمة في الإدخـال يجب أن تكون هـي ذاتها المستخدمة في الاسترجاع .
 4- نـظـم الـتـوثـيــق الحـديثـة : لعل أول من أشار إلى ضرورة فتح آفاق جديدة أمام نظم استرجاع المعلومات ، بشكل يتجاوز نظم التوثيق التقليدية هو فانيفار بوش الذي كتب مقالاً عام 1945 قال فيه : " يرجع عجزنا عن الوصول إلى الوثيقة . إلى حد بعيد إلى الافتعال و عدم الدقة في نظم التكشيف ، فحينما توضع بيانات من أي نوع في مكان الاختزان فإنها ترتب هجائياً أو رقمياً ، و يتم الوصول إلى المعلومات ( إذا تحقق ) بتتبعها من فرع إلى آخر" ثم : " العقل البشـري لا يعمل بهذه الطريقة ، و إنما يعمل بتداعي المعاني أو ترابط الأفكـار ، فهو عندما يحصل على إحـدى المواد ينتقـل في التو و اللحظة إلى الأخرى التي اقترحها تداعي المعاني" و بذلك يكون " فانيفار بوش " أول من دعا إلى تجاوز نظم التوثيق التقليدية ، و إن الأفكار التي طرحها عام 1945 ، كان لا بد أن تنتظر قبل تحقيقهـا ما يقارب نصـف قرن من الزمـن ، مع تطويـر تقنيات البحـث و الاسترجاع و اعتماد محركات البحث و المكانز الآلية و الشبكات العصبونية ، و مع ظهور النص الفائق ( الممنهل ) Hypertext .
 و اليوم تعتمد المكتبات الكبرى في العالم على نظم استرجاع متطورة ، و قد قامت مكتبة الكونجرس و المكتبة البريطانية بتحويل ملايين الكتب من شكلها الورقي إلى الشكل الرقمي ، حيث أصبح بالإمكان اليوم إجراء بحث متطور ليس فقط في عناوين الكتب و موضوعاتها و كلماتها المفتاحيـة ، بل و من خلال البحث عن أية كلمة وردت في الكتاب . و نوجز فيما يلي أهم الأدوات المستخدمة في نظم التوثيق الإلكترونية الحديثة :
* محرك البحث : و هو برنامج ذكي يبحث عن الكلمات و مرادفاتها في نصوص الكتب أو الوثائق المخزنـة رقمياً ، أو إذا لم تكـن النصوص مخزنة بشكلها الكامل فإنه يستطيع البحث في نصوص الملخصات ، كما تتميز بعض هذه المحركات بذكائها و بإمكانيـة التعلم ،أي أنها يمكن أن تطور أساليب بحثها ذاتياً من خلال تقويم نتائج البحث و مدى مطابقتها و تلبيتها لحاجات المستفيد في كـل مرة.
* المكنز الآلي : و هو نظام ذكي يعتمد على استخراج الواصفات من النصوص المخزنة و إقامة علاقات ترابـط فيما بينها من العام إلى الخاص و علاقات ترادف ، و يقوم بتطوير و تعديل هذه العلاقات بشكل آلي ، من خلال تقويم نتائج البحث و مدى مطابقتها و تلبيتها لحاجات المستفيد .
 * النصوص الفائقة ( الممنهلة ) : تقوم النصوص الفائقة ( الممنهلة ) Hypertext بالإحالة فوراً من نص يعالج موضـوع محـدد إلى نصوص أخرى متعلقة بكلمة وردت في النص ، مما يشكل أساساً متطوراً للمعلومات المتكاملة ، و يتطابق إلى حد بعيد مع التصور الذي طرحه فانيفار بوش عام 1945 ، حيث أكد على الانتقال من فكرة إلى أخرى وفقاً لتداعي المعاني ، و لكن هذا الانتقـال هنا لا يعتمد على تداعي المعاني لدى القارىء و إنما لدى المؤلـف الذي يتوقع أين يكمن تداعي المعاني في النص فيحيل في هذه المواقـع أو الكلمات إلى نصوص أخرى مترابطة مع النص الأصلي .
 5- نـظــم الأرشــفـة الـضـوئـيـة : مع تعاظم حجم الوثائق الحكومية المخزنة في دور الأرشيف ، أصبح من العسير الوصـول إلى هذه الوثائق دون استخـدام الوسائل الإلكترونية ، و من الطبيعي أن الخطوة الأولى في هذا المجال هي إنشاء قواعد معطيات لتوصيف هذه الوثائق و تسهيل الوصول إليها ، أما الخطوة الثانية فهي ربط هذه القاعدة مع مكنز للواصفات التي تحدد بدقة الموضوعات المتعلقة بهذه الوثائق

12‏/02‏/2012

شرف مهنة الثوثيق العدلي

ارتبطت الكتابة والتوثيق العدلي منذ القدم بالعلم والعلماء، لشرفها وخصوصيتها وشموليتها إلى أن جاء الاستعمار فألقى على هذه المهنة ظلالا من التعتيم، وسعى إلى تهميشها حينما أوحى للناس أنها مهنة تقليدية لاتساير مستجدات العصر، بينما كان الغرض من هذه الإشاعة تحجيم مهام السادةالعدول الموثقون من أجل تعويضها بالموثق العصري الذي هو من صنيعة الاستعمار بامتياز لتوثيق معاملاته الاستعمارية وتصريفها وفق مراده عن طريق الموثق العصري الذي . صنعه منذ 1925 .
عرف الفقيه المالكي ابن فرحون مهنة العدالة فقال في كتابه ''تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومنهاج الأحكام'' فقال: التوثيق العدلي صناعة جليلة شريفة، وبضاعة عالية منيفة، تحتوي على ضبط أمور الناس ودماء المسلمين . وأموالهم وفق الضوابط الشرعية وترتبط خطة العدالة كما هو متعارف عليها اليوم بركنين أساسيين:
الركن الأول هو الشهادة، والركن الثاني هو التوثيق، بمعنى أن كاتب العدل هو شاهد في نفس الوقت، يشهد ويكتب عقد الزواج، بخلاف ما يوجد في المشرق، حيث إن كتاب العدل لا علاقة لهم بالشهادة، ويجب إحضار شاهدين من الناس، والكاتب العدل يقوم بتسجيل هذه الشهادة ، والشهادة لها امتداد في تاريخ الحضارات القديمة، وقد عرف العمل بها منذ فجر الإسلام، ويكفي الشهادة شرفا وقدرا باعتبارها من مهام العدول، أن تكون عنوان الدخول إلى الإسلام، كما ارتبطت الشهادة بآية الدّيْن بالكتابة في أطول آية في القرآن الكريم في سورة البقرة.

أنصبة الوراثة، وهم الذين يوثقون جميع المعاملات العقارية المحفظة، ويوثقون حجة الملكية بالنسبة للعقارات غير المحفظة سواء في المدار الحضاري أو العقار في المدار القروي. إضافة إلى ذلك فإن السادة العدول الموثقون يعتبرون من مساعدي القضاء، وهي صفة قانونية تزيد المهنة شرفا ورفعة.وبالتالي فالعدل الموثق قاضي احتياطي يفض النزاع قبل حلوله و نائب عن الدولة في استخلاص الضرائب فكما شرفت بارتباطها بالنص القرآني وبالشريعة ككل، فكذلك شرفت بانتسابها لكثير من العلماء، بصفتهم كانوا يهتمون بهذه المهنة سابقا، ودونوا ذلك في رسائل علمية وكتب عديدة، ككتاب ''التدريب للوثائق العدلية'' للفقيه المغربي أبي الشتاء الصنهجي، وكتاب ''المنهل الرائق والمعنى اللائق بآداب الموثق''. ثم إن اختصاصات السادة الموثقون العدول هي اختصاصات واسعة، انطلاقا من الأحوال الشخصية إلى عقود المعاملات في البيع والشراء، خلافا لما يعتقد كثير من الناس أن مهنة التوثيق العدلي مهنة تقتصر فقط على عقود الزواج والطلاق والإراثات والأحوال الشخصية، وأن العدل الموثق لايستطيع إنجاز عقود الشركات، مثلا كالتجزئات العقارية، في حين أن السادة العدول الموثقون يستطيعون أن يقوموا بكل هذه الأعمال التي يقوم بها الموثق العصري
قانونا، ولنا مساحة واسعة في التعامل مع جميع العقود المتعلقة بالتحفيظ العقاري طبقا للقانون الجديد للملكية المشتركة تحت بند القانون رقم18 00 هذا القانون يعتبر مكسبا جديدا لمهنتنا، حيث منحت لمهنة العدول صفة أخرى متميزة، علاوة على الصفة الشرعية التي يتصفون بها. ومهني العدالة يجب أن يكون سالما من خوارم المروءة بمعنى أن يكون مشهودا له بالنزاهة، ويكون عارفا بأمور الشريعة و القانون، كون هذه المهنة لها مرجعية دينية و قانونية. والفرق بين التوثيق العدلي والتوثيق العصري، هو أن الأول يتلقى تكوينا شرعيا و قانونيا، بينما الثاني يتلقى تكوينا عصريا. نحن الآن نسعى إلى منافسة شريفة مع إخواننا الموثقين، وعلى تحقيق نوع من التكامل في انتظار مدونة جامعة للتوثيق، تجمع الموثقين العصريين معا.

11‏/07‏/2011

المشاكل العملية لشهادة اللفيف بين الفقه والقانون التجديد



نتناول في هذا الموضوع المشاكل الناجمة عن شهادة اللفيف في المجال العملي كإنكار الشهود لشهادتهم، والرجوع عنها، أو الطعن فيها بالزور، وما يترتب عن ذلك من إدانة العدول أو الشهود على السواء وما يفضي إليه ذلك من آثار تتعلق بحقوق الناس نزعا أو عطاء...
نقصد بالفقه: الفقه المالكي في قواعده وضوابطه المتعلقة بالتوثيق، وخاصة شهادة اللفيف وما يتعلق بها من أحكام باعتباره هوواضع هذه الوسيلة الإثباتية، فهو المرجع فيما يتعلق بها من أحكام وقواعد.
ولا نعني بالقانون النصوص القانونية المتعلقة بهذا الموضوع فقط، ولكن العمل القضائي كذلك المطبق لهذه النصوص، والمنزل لها على الوقائع، بل هو المقصود أساسا لأنه هو الذي يعطي للنص القانوني فعاليته ويعمل على تحقيق مقاصده أو على العكس قد يجرده من ذلك.
ويأتي هذا العرض في إطار ما صارت تمثله "شهادة اللفيف" في وضعها الحالي من مشكل حقيقي يهدد مصداقية التوثيق، وهيبة القضاء، واستقرار المعاملات مما جعل الأصوات تتعالى بإعادة النظر فيها بين من ينادي بإصلاحها ومن ينادي بإلغائها.
ونحن نعتقد من خلال ممارستنا اليومية، والمشاكل العملية للفيف التي نعايشها، ونتتبعها من خلال نوازل العدول في مختلف الاستئنافيات، أن الجانب الكبير من هذه المشاكل ناجم عن "الازدواجية والتناقض" الذي يطبع العمل القضائي عموما وخاصة فيما يتصل بالتوثيق، والأحوال الشخصية، والعقار غير المحفظ، حيث تتداخل أحكام الفقه المالكي الإسلامي ومساطر القانون الوضعي المستمد في غالبه من القانون الفرنسي، في غيراستيعاب للفقه المالكي في كثير من الأحيان ولا تحرير لقواعده، والمشهور منه، وما جرى العمل به فيه، ولا ملاءمة للقواعد الموضوعية أو المسطرية الوضعية المنزلة على هذه القضايا، وخاصة شهادة اللفيف، مما يؤدي إلى أحكام غريبة ومتناقضة وقد تكون مجحفة بسبب ذلك في أحيان كثيرة.
حجية شهادة اللفيف
إن شهادة اللفيف تستمد حجيتها ضمن وسائل الإثبات في القضاء المغربي من كونها وسيلة قررها الاجتهاد الفقهي المالكي منذ القرن الثامن الهجري تقريبا، وجرى عليها العمل إلى الآن، ثم من القانون نفسه حيث يقرر الفصل 401 من قانون الالتزامات والعقود: >أنه لا يلزم لإثبات الالتزامات أي شكل خاص إلا في الأحوال التي يقرر القانون فيها شكلا معينا...< فيصح اعتماد شهادة اللفيف في كل ما لم يحدد له القانون شكلا خاصا للإثبات، كما يقرر الفصل 404 من نفس القانون أن وسائل الإثبات التي قررها القانون هي: 1 إقرار الخصم، 2 الحجة الكتابية، 3 شهادة الشهود، 4 القرينة الكتابية، 5 اليمين والنكول عنها" فتعتمد شهادة اللفيف بناء على الفقرة الثالثة باعتبارها شهادة مدونة يحق للخصم التمسك بإخضاعها للإجراءات المسطرية اللازمة لسماع شهادة الشهود كما قضى قرار الملجس الأعلى رقم 717 بتاريخ 1976/12/08 عن الغرفة المدنية أو تعتمد بناء على الفقرة الرابعة باعتبارها قرينة فعلية تخضع في قيمتها كوسيلة إثباتية لقضاة الموضوع في إطار سلطتهم التقديرية كما نص على ذلك قرار المجلس الأعلى عدد 224 بتاريخ 21 يونيو 1974 ملف اجتماعي.
بل تستمد حجيتها من القانون بشكل أوضح وأقوى في مجال الأحوال الشخصية من مدونة الأحوال الشخصية في الفصل الخامس في فقرته الخامسة، وفي إحالات مدونة الأحوال الشخصية المغربية على المذهب المالكي في راجحه ومشهوره وما جرى به العمل فيه.
ومعلوم أن شهادة اللفيف من مكونات البينة الشرعية فقها، كما أنها مما جرى به العمل في المذهب المالكي.
تنظيم الفقه المالكي لشهادة اللفيف
والفقه المالكي حينما أقر شهادة اللفيف لاعتبارات ترجع إلى الضرورة وحفظ حقوق الناس بتيسير الإثبات ورفع الحرج عنهم في هذا الباب، فإنه أقرها في منظومة متكاملة،وتصور شامل لمفهومها، وضرورتها، وطبيعتها، والقواعد الكفيلة بحسن إعمالها، وتوفر الظن الغالب بتحقيق العدل في الحكم بها نزعا أو عطاء، ونفي الخصومات وإنهاء المنازعات.
ولهذا ارتبطت "شهادة اللفيف" بأحكام "الاستفسار" و"تزكية الشاهد" و"تجريحه" و"الرجوع في الشهادة" و"الإنكار المجرد" وقواعد "الجمع والترجيح" بين البينات عند التعارض، والفرق بين "الشهادة بالباطل" و"الشهادة بالزور"، وأحكام حماية الشاهد من مضارته بسبب شهادته، وأحكام ضمانه وتغريمه، وكذا متابعته وتأديبه في منظومة متكاملة، وتصور شامل، وتنظيم دقيق تحصينا لهذه الوسيلة الإثباتية من المبطلين والطاعنين لأهواء شخصية، وحماية لها من الانحراف وحملا لها على جادة الصواب، قصد تحقيق العدل، وحماية مصالح الناس...
الازدواجية في العمل القضائي وأثرها على شهادة اللفيف: أمثلة ونماذج
لكن مشكل "الازدواجية والتناقض " في العمل القضائي الذي تكلمنا عنه أدى إلى العمل بشهادة اللفيف بشكل مبتور، ففصلت عن نسقها وعمل بها باعتبارها وسيلة إثبات مع تطبيق قواعد ومساطر وضعية بخصوصها لا تلائمها ولا تنطبق عليها، فأدت إلى أحكام غريبة ومتناقضة ومجحفة في كثير من الأحيان.
ومن الأمثلة على ذلك "دلالة" شهادة اللفيف، فمن المقرر فقها أنها دلالة ظنية، تفيد غلبة الظن بما شهد به شهودها، وليست دلالة قطعية، ومن هنا اشترط الفقه الاستفسار، ورهن إعمال اللفيف به قطعا لما يعتريه من إجمال، ويتطرق إليه من احتمال باعتباره شهادة ممن لا تتوفر فيه العدالة ولا يعرف ما تصح به الشهادة، ولأجل هذه الظنية كذلك قرر قواعد الجمع والترجيح بين البينات عند التعارض، ومعلوم أن التعارض لا يكون في القطعيات وإنما في الظنيات.
وإذا رجعنا إلى العمل القضائي الزجري خاصة نجده يخالف هذا المقرر الفقهي إذ يتعامل مع اللفيف باعتباره حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور مع العلم أن المجلس الأعلى في قراره رقم 809 بتاريخ 1982/12/25 ذهب إلى أن شهادة اللفيف تعتبر حجة رسمية من حيث الشكل فقط أما محتواها فمجرد شهادة.
ومن الأمثلة كذلك "الرجوع في الشهادة"، فإن الفقه في انسجام مع قواعده المكونة لتصوره العام عن اللفيف أباح للشاهد الرجوع عن شهادته قبل صدور الحكم لجواز الخطأ عليه، وإمكان تطرق الوهم أو الإبهام والإجمال المشينين إلى شهادته، خاصة وأنه قد يغرم ما ضيع بسبب شهادته حسب الأحوال، يقول المتحف:
وراجع عنها قبوله اعتبر ما الحكم لم يمض وإن لم يعتذر
لكننا نجد العمل القضائي الزجري خاصة يضطرب، فمرة لا يعير الرجوع أي اهتمام ويجري مسطرة المتابعة بشهادة الزور مع العلم أن اللفيف الذي رجع بعض شهوده أو كلهم يعتبر شهادة لاغية لا عمل بها، ومرة يعتبر أن الرجوع عن الشهادة قرينة الزور بينما هو أمر سائغ معمول به فقها إذا كان قبل إعمال الشهادة وإمضاء الحكم.
وفي حكم "الرجوع في الشهادة" "الإنكار المجرد لها"، فقد قرر الفقهاء أن "الإنكار المجرد" للشاهد أن الشهادة صدرت منه هو بمثابة رجوعه عنها، ذلك أن شهادة العدلين عليه بصدورها عنه أقوى من إنكاره المجرد، لقوة شهادة العدلين فقها ورجحانها على ما سواها، وحتى من الناحية القانونية فهذا هو أحد جوانب "الرسمية" في شهادة اللفيف بمقتضى الفصلين 418 و419 من قانون الالتزامات والعقود في ظل اجتهاد المجلس الأعلى المفسر لمعنى "الرسمية" في شهادة اللفيف رقم 809 المشار إليه، ويستفاد من ذلك أن شهادة العدول على الشهود بما شهدوا به حجة قاطعة عليهم في ذلك..
لكن الغريب أن بعض متابعات النيابة العامة، وكذا بعض أحكام القضاء الزجري يقلبان هذه القواعد رأسا على عقب حيث يجعلون الإنكار المجرد للشهود صدور الشهادة عنهم حجة في مواجهة شهادة العدول بصدور الشهادة منهم التي هي حجة قاطعة فقها وقانونا.
الخلط بين الشهادة اللفيفية الاسترعائية، والشهادة العلمية العدلية
ومن ذلك الخلط في متابعات النيابة العامة وبعض أحكام القضاء الزجري في شهادات اللفيف بين عمل العدل باعتباره موثقا بدون شهادة الشهود وبين علمه باعتباره شاهدا.
فمن المعروف توثيقا أن الشهادات نوعان:
أصلية: وهي التي يشهد فيها الشاهد على ما أشهد به الأطراف من معاملات.
واسترعائية: وهي التي يشهد فيها الشاهد بما يعلم من وقائع مادية.
وهذه الثانية نوعان: شهادة العدول، وهي الشهادة العلمية، أي التي يؤدي فيها العدل الشهادة من علمه وتكون بصيغة "يشهد الواضع شكله عقبه...
وشهادة اللفيف، وهي الشهادة التي عدل بها عن شهادة العدول للضرورة وحاجة الناس إليها:
وتكون من إثني عشر شاهدا على ما استقر عليه العمل، ويكون عمل العدل فيها مقتصرا على تدوين شهادة هؤلاء الشهود وأقوالهم، وتوثق بصيغة "شهوده الموضوعة أسماؤهم عقبه يعرفون كذا...".
وما دام عمل العدول مقتصرا على التدوين لترفع بعد ذلك الشهادة إلى الجهة المختصة، وهي القضاء، للنظر فيها ومقارنتها بما يعارضها وتقييمها، فقد يشهد العدل على بينة بالإثبات في قضية،وعلى أخرى بالنفي في نفس القضية، ولا غضاضة في ذلك ولا تناقض في عمله ما دام مدونا في جميع الحالات، والتقييم والحكم موكول إلى الجهة المختصة.
غير أن هذه الأحكام البديهية في التوثيق نجدها غائبة في العمل القضائي الزجري خاصة كما أشرنا، والذي قد يؤاخذ العدول على إقامة بينة مناقضة لأخرى سبق أن تلقوها في خلط عجيب بين الشهادة اللفيفية الاسترعائية، والشهادة العلمية العدلية.
هذه نماذج من مشكل "الازدواجية ،التناقض" الذي يطبع العمل القضائي في تعامله مع التوثيق عامة، وشهادة اللفيف خاصة، والطعن فيها بالزور على وجه الخصوص، مما كثرت بسببه التحقيقات والاستنطاقات، وامتلأت المحاكم بالملفات، وضاعت كثير من الحقوق بسبب ذلك، وظلم كثير من العدول والشهود على السواء بسبب سوء فهم شهادة اللفيف وطبيعتها، وسوء التعامل معها بإخضاعها لقواعد ومساطر غريبة عنها ولا تلائمها، وفصلها عن سياقها الذي نشأت فيه، ومنظومتها التي تحكمها وتنظمها مما هو مقرر في الفقه المالكي والذي لا زلنا نجد له صدى في قرارات المجلس الأعلى، وفي بعض اتجاهات العمل القضائي فيما دون ذلك، فنحن لا نعمم ما قلنا على جميع العمل القضائي بل إن اختلاف العمل القضائي وتضاربه في هذا الباب بين من يستوعب الفقه المالكي ويتقن إعمال قواعده في المجالات التي تخضع له، وبين من لا يستوعب ذلك ولا يتقنه، أو يعدل عنه إلى قواعد ومساطر القانون الوضعي وجه آخر من وجوه مشكل "الازدواجية والتناقض" في العمل القضائي المغربي كما أشرنا إلى ذلك.
شهادة اللفيف والقواعد القانونية الوضعية:
وكما أثرت هذه "الازدواجية" على حسن إعمال قواعد الفقه المالكي كما بينا أثرت في نفس الوقت على إعمال بعض القواعد والمساطر الموضوعية.
فمثلا عرف الفصل 368 من القانون الجنائي شهادة الزور بأنها "تغيير الحقيقة عمدا تغيرا من شأنه تضليل العدالة لصالح أحد الخصوم أو ضده، إذا أدلى بها شاهد بعد حلف اليمين في قضية جنائية أو مدنية، أو إدارية حتى أصبحت أقواله نهائية.<
فمع هذا النص كان لا ينبغي أن يجاري الطعن بالزور في اللفيفيات وخاصة قبل جريان الدعوى، ولا أداء الشاهد اليمين القانونية، ولا صيرورة أقواله نهائىة...
وينص الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية: "أنه إذا كان إثبات الجريمة متوقفا على حجة جارية عليها أحكام القانون المدني فيراعي القاضي في ذلك القانون المذكور".
وهذا يوجب الرجوع إلى القانون المنظم للفيف عند كل طعن فيه، وهذا القانون هو قواعد الفقه المالكي وضوابطه كما جرى عليه العمل القضائي بالمغرب منذ قرون إلى الآن.
وهذا سند قانوني فيما قررناه من ضرورة الرجوع في شهادة اللفيف إلى قواعدها وضوابطها المستمدة من الفقه المالكي إضافة إلى ما يقتضيه المنطق ويؤيده العرف والعمل.
وهكذا يتبين لنا أن شهادة اللفيف لا تحظى بحسن إعمال قواعد الفقه المالكي، ولا قواعد ومساطر القانون الوضعي، وإن ترددها بين هذين المصدرين في غير استيعاب، ولا تكامل، ولا ملاءمة أدى إلى إضطراب العمل القضائي وارتباكه، وظهور أحكام غريبة ومتناقضة أضرت بالعدول أحيانا، وبالشهود أحيانا، وبحقوق الناس في كل الأحوال.
ولقد استغل الناس في ظل فساد الذمم وضمور الوازع الديني هذا الاضطراب في العمل القضائي في نظرته للفيف، وعلاقته بالعدول، ومنهج التعامل مع ذلك لما رأوا من سهولة توهين الوثائق والطعن فيها بالزور، واتخاذ ذلك مطية لنقض الأحكام القضائية، والتحلل من الالتزامات، وتجريح العدول.
خاتمة:
ونحن حينما نحمل العمل القضائي جزءا كبيرا من المشاكل المتعلقة بشهادة اللفيف، وما يترتب عنها من آثار مضرة بمصداقية التوثيق، وسمعة القضاء، ومصير استقرار المعاملات الذي هو أساس كل تنمية اجتماعية، لا نغفل أن مؤسسة التوثيق تتحمل بدورها جانبا مهما من المسؤولية بعدم احترامها للقواعد والضوابط الفقهية المنظمة لشهادة اللفيف جهلا أو تقصيرا، وحينما نقول مؤسسة التوثيق فإننا نعني العدل ابتداء، ثم قاضي التوثيق الذي لا يمكن أن نتحدث عن أي إخلالات للعدل بالضوابط التوثيقية في غيابه، لأنه الذي يراقب الرسوم، ويخاطب عليها، ويكسبها رسميتها.
هكذا ومن خلال هذا التحليل نخلص ونحن نتدارس إشكالية شهادة اللفيف وسبل معالجتها إلى أن المشكلة ليست في هذه الوسيلة الإثباتية كما تصورها الفقه المالكي وقعدها، لكن المشكلة الآن في فهم طبيعة هذه الشهادة، ومنهج التعامل معها.
وعليه فإن معالجة كثير من المشاكل التي يتخبط فيها التوثيق والقضاء، ومن ورائهما حقوق الناس ومصالحهم، من جراء شهادة اللفيف رهين في رأينا بتنظيم هذه الوسيلة الإثباتية وتقنين أحكامها وقواعدها المقررة فقها، وتوحيد العمل بها توثيقا وقضاء، والقضاء على كل أشكال الازدواجية والتناقض في العمل القضائي المغربي في هذا المجال.
جواد بنامغار: عدل بدائرة المحكمة الإبتدائية بسوق الأربعاء الغرب

الوثيقة العدلية وازدواجية النظام القانون

الوثيقة العدلية وازدواجية النظام القانون

كتبهاعبدالله الشرقاوي ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 12:44 م

ذ. الطيب لمنوار ـ عدل ـ الناظور ـ

.. بالرغم من التخوفات التي يثيرها بعض الفقه بشأن الآثار السلبية الناتجة عن ازدواجية النظام القانوني للعقار بالمغرب (1) فإن الأمر الذي يجب التنبيه إليه هو أن للتوثيق العدلي دورا لا ينكر في التخفيف من هذه الآثار وطمأنة المتعاملين في مجال العقار غير المحفظ على حقوقهم، حيث أن نظام التوثيق العدلي سبق نظام التحفيظ العقاري في تطهير الملك، وطمأنة المالك، لذلك يجب ألا يبالغ في الإشادة بالعقار المحفظ على حساب الوثيقة العدلية.
وملكية العقار غير المحفظ قد تكون في مستوى الرسم العقاري إذا تم تأسيسها وفق الضوابط المعمول بها في الفقه المالكي، مع العلم أن الرسم العدلي الصحيح هو الأساس في إنشاء الرسم العقاري.
لهذا فالمراد بالعقار غير المحفظ في قانون رقم 18.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.298 بتاريخ 25 رجب 1423 ، الموافق ل 15 أكتوبر 2002 ، المتعلق بنظام الملكية المشتركة، وقانون رقم 44.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.309 بتاريخ 25 رجب 1423 ، الموافق ل 03 أكتوبر 2002 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز، وكذا قانون رقم 51.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.202 بتاريخ 11 نوفمبر 2003 هو ذلك العقار المملوك لمالكه برسوم عدلية صحيحة وتامة ولم يكن في حد ذاته موضوعا لأي رسم عقاري، أو مطلب تحفيظ.
وعليه فلا يمكن أن يكون المشرع قد قصد بالعقار غير المحفظ ذلكم العقار المهمل المجرد عن سند الملك، فهذا النوع من العقار لا يندرج ضمن العقار غير المحفظ، وإنما هو عقار مهمل لا مالك له، يحق للمتصرف فيه عن طريق الحيازة الهادئة المستوفية للشروط أن يقيم موجب الملكية لدى العدول متى سمح له القانون بذلك.
وازدواجية النظام القانوني للعقار بالمغرب نظام قانوني فرضه الواقع نفسه إذ لا يكفي الحديث عن سلبيات العقار غير المحفظ في غياب شروط الانتقال من العقار غير المحفظ الى العقار المحفظ، أو بعبارة أخرى غياب شروط تعميم التحفيظ.
وأمام هذه الإكراهات الواقعية وفي صميمها جاء خطاب جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني في الملقى بمدينة طنجة بتاريخ 18 / 09 / 1967 :(… ولله الحمد اليوم وقع اطمئنان للجميع كل واحد يعرف أرضه وهو مطمئن عليها إما برسم من مصلحة المحافظة العقارية أو برسم عدلي…) انتهى كلام جلالته.
والمالك لعقار غير محفظ برسم عدلي لا يسعه إلا الاطمئنان على أرضه وملكه متى كان توثيق هذا الرسم وفق القواعد المعمول بها في هذا النطاق، وهنا يجدر بنا أن نتوقف مهلة عند نوعين من الرسوم العدلية، التي تعتبر سندا للملك.
- النوع الأول: رسم موجب الملكية:
وهو موجب لفيفي يتكون من اثني عشر شاهدا يشهدون لدى العدلين على نسبة العقار محل الشهادة إلى صاحبه الذي تصرف فيه على وجه التملك مدة تزيد عن عشر سنوات بدون علم منازع له في ذلك ولا معارض. وحتى يكون هذا الموجب صحيحا يجب أن يخضع للشروط الآتية:
1 - الإدلاء بشهادة من السلطة الادارية تبين أن العقار المراد إثبات ملكيته ليس جماعيا، ولا يكتسي صبغة جماعية. وهذه الشهادة من المفروض ألا تسلم إلا بعد اجتماع لجنة في العمالة تتكون من ممثل المحافظة العقارية، وممثل المياه والغابات، وممثل الأملاك المخزنية، وممثل نظارة الأوقاف والأملاك الحبسية، وممثل السلطة الادارية.
2 - شهادة 12 رجلا مسلما تتوفر فيهم الشروط الآتية:
- أن يفوق سنهم مدة الحيازة المنصوص عليها في الموجب ب 18 سنة، فإذا كانت مدة الحيازة 20 سنة يجب أن يكون سن أصغر شاهد هو 38 سنة على الأقل، ولا يجوز في جميع الأحوال أن يقل سن الشاهد في موجب الملكية على 28 سنة - معرفتهم التامة بصاحب الملك - معرفتهم لموقع العقار وحدوده - معاينتهم لتصرف المالك وحده في العقار محل الإثبات على وجه التملك مدة عشر سنوات على الأقل - عدم علمهم بأي نزاع بين المالك والغير حول نسبة الملك خلال مدة الحيازة - عدم علمهم بخروج الملك من يد المالك بناقل شرعي منذ بداية الحيازة الى يوم أدائهم الشهادة - تحقق العدلين من هوية الشهود وطالب الشهادة - تيقن العدلين من صحة الشهادة وحسن نية طالبها.

-4 - توقيع العدلين

- النوع الثاني: رسوم عدلية عبارة عن عقود التفويت:
وهي إما شراء، أو صدقة، أو هبة، أو تنازل بدون عوض، أو مناقلة، أو…. وحتى تكون هذه العقود صحيحة يجب أن تكون موثقة وفق قواعد التوثيق العدلي المعمول بها، حيث يجب أن تتضمن ما يلي:
- 1) تاريخ التلقي بالساعة واليوم والشهر والسنة. - 2) البيانات المتعلقة بالهوية الكاملة للمتعاقدين . - 3) المواصفات التامة للعقار من حيث تحديد مساحته، ومحتوياته، وحدوده، وموقعه، واسمه إن اقتضى الحال. - 4) الثمن إذا كان التفويت بعوض، ومعاينة العدلين للحيازة في حالات عقود التبرع المنصبة على جزء مفرز من الملك - 5) مراجع سند الملك . - 6) مراجع تسجيل العقد في دار التسجيل والتمبر. - 7) توقيع العدلين. - 8) مراجع التضمين بسجل الأملاك بالمحكمة قسم التوثيق. - 9) خطاب القاضي.
وهذه باقتضاب مواصفات الرسم العدلي الصحيح الذي يسند به العقار غير المحفظ إلى مالكه، والذي بموجبه يطمئن المالك عن ملكه، وإلا فسند الملك للعقار، الذي لايتضمن المعطيات المذكورة لا يمكن إدراجه ضمن الرسوم العدلية الصحيحة.
وفي انتظار خروج قانون رقم 01/19 المتعلق بمدونة الحقوق العينية إلى حيز التطبيق يجب أن ننبه السادة العدول الغيورين على مهنتهم الشريفة والملتزمين بقواعدها وأدبياتها إلى ضرورة فحص العقود المدلى بها من طرف البائع،، أو المتبرع والتأكد من توفرها على المواصفات المذكورة قبل الشروع في عملية التفويت، وأي تساهل أو إغفال، أو تجاهل سيعرض الوثيقة للطعن، والإبطال بمقتضى قاعدة:( ما بني على باطل فهو باطل)، اقتداء برواد التوثيق الأوائل، وامتثالا لما جرى به العمل في عرف الموثقين الأصلاء.
في هذا الصدد، يقول العلامة الصنهاجي رحمه الله :( والذي جرى به العمل بفاس منذ أواسط القرن الهجري حتى الآن هو الاكتفاء بثلاث شراءات للأصل المبيع فيطالب البائع بدفعها للمشتري، أو إعطائه نسخة منها مسجلة على القاضي)، (2)
كما يجب على السادة العدول التأكد من طبيعة العقار، ووضعيته القانونية قبل الإقدام على إبرام عقد التفويت ،وذلك عن طريق توجيه المشتري الجديد (3) إلى المهندس الطبوغرافي المساح، من أجل معاينة موقع العقار المراد شراؤه، والتأكد من خلوه من أي رسم عقار، أو مطلب تحفيظ، وذلك حرصا على مصلحة الزبون، الذي وضع الثقة في العدول والتجأ إليهم لتوثيق حقوقه توثيقا رسميا، ولا معنى للرسمية غير الصحة، والتثبت.
وعلى العدول عند إبرام عقد التفويت أن يجعلوا نصب أعينهم أن العقد المراد توثيقه في نطاق العقار غير المحفظ سيعرض عاجلا، أو آجلا على الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ويتحتم أن يحظى هذا العقد بالقبول لدى السيد المحافظ على الأملاك العقارية، وإلا سيضطر المشتري الجديد الراغب في فتح مطلب التحفيظ انتظار مضي مدة عشر سنوات من أجل إقامة موجب الملكية، وإثبات الحيازة الهادئة.
وتجنبا لكل ما من شأنه أن يسيء الى الوثيقة العدلية، ويثقل كاهل المشتري يجب التريث عند إبرام عقود التفويت المنصبة على العقار غير المحفظ، والاعتماد وجوبا على العقود، والمستندات القابلة لفتح مطلب التحفيظ دون سواها، وفي حالة كون السند المدلى به ناقصا، ولو كان رسما عدليا، فإنه يجب تصحيحه، وإتمام نقصه إن أمكن ذلك قبل اعتماده في التفويت، والأوجب على المفوت (بائع، أو متبرع) إقامة موجب الملكية ثم بعد ذلك يتم إبرام عقد التفويت لدى العدلين بناء على هذا الموجب.
وبهذا الإجراء يمكن تفادي مخاوف العقار غير المحفظ، وتجاوز إشكالية ازدواجية النظام القانوني للعقار، والاتجاه تدريجيا نحو تعميم العقار المحفظ، هذا النوع من العقار الذي يصبو إليه كل مغربي يطمح إلى تملك عقار سليم، أو طاهر من حقوق الغير نظرا لضماناته، وبساطة إجراءات تفويته إذ مجرد الإدلاء بشهادة حديثة التاريخ من المحافظة العقارية يمكن التعرف على المالك الحقيقي للعقار والاطلاع على مختلف الحقوق المتعلقة به (رهون ـ تعرض إن كان العقار في طور التحفيظ ـ كون العقار خاضعا لمقتضيات الاستثمار الفلاحي ـ شرط فاسخ…). وعلى هذا الأساس يبقى الامتياز الوحيد للعقار المحفظ هو عدم احتمال وجود أكثر من سند التملك بخلاف العقار غير المحفظ فإن تعدد مستندات الملك للعقار الواحد أمر وارد في كل وقت وحين، مما يستوجب عرض المستندات على القضاء في حالة النزاع لترجيح السند المناسب للعقار وتحديد المالك الحقيقي وفي هذا ضياع للوقت والمال وتفويت للمصالح.
ومن اجل تفادي كل هذه المخاوف يتعين وجوبا اعتماد اقتراحات الهيئة الوطنية لعدول المغرب بخصوص مشروع قانون رقم 01/19 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، ومشروع قانون رقم 03/16 المعروض حاليا على غرفة المستشارين بالبرلمان، هذا الأخير الذي يرمي الى تحديث مؤسسة التوثيق العدلي وتنظيمها تنظيما لائقا يرقى الى مستوى المعاملات التعاقدية الحديثة والالتزامات المعاصرة، ويستوعب روح قيمنا الإسلامية، ومضمون تراثنا الفقهي الأصيل، إذ لا حياة قانونية ولا آثار شرعية لملكية عقارية بدون وثيقة عدلية في المملكة المغربي.

هوامش:
1 ـ ذ: محمد مومن: »العقار غير المحفظ الى أين«؟ بحث شارك به في الندوة الوطنية التي نظمها مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق بمراكش يومي 27 ـ 28 فبراير 2004.
2 ـ عبد الرحمان بلعكيد: »وثيقة البيع بين النظر و العمل«: صفحة 152 طبعة 1995 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.
3 ـ أقوال المشتري لأن البائع قد يكون عالما بوضعية العقار ولا يصرح بذلك بل قد يتعمد السكوت إن كانت وضعية العقار غير سليمة من اجل التخلص منه

27‏/04‏/2011

النصوص القانونية المنظمة للأراضي الجماعية:

الأراضي الجماعية

النصوص القانونية المنظمة للأراضي الجماعية:

لقد ظلت الأراضي الجماعية les terres collectives تستغل حسب الأعراف في كل قبيلة حتى بداية القرن 20 حيث أصبح من الضروري دفاعا عن مصالح هذه الجماعات وحفاظا على ثرواتها من الضياع (13 مليون هكتارا) ومنعا لكل استحواذ أو ترام وضع قانون يهدف إلى تحديد هذا النوع من العقارات وضبط العلاقات بين مستغليها وسن مسطرة لتسيير شؤونها.

فبمجرد دخول الفرنسيين إلى المغرب في إطار تطبيق نظام الحماية لوحظت ظاهرة المضاربات العقارية في العالم القروي والمتمثلة في السيل الجارف للاقتناء التي بمقتضاها اشترى الفرنسيون مساحات شاسعة من كتب المغاربة مقابل مبالغ مالية جد مغرية و حتى تتم عمليات البيع بناء على سندات تتبث ملكية البائعين للعقارات المراد تفويتها لجأ المعنيون بالأمر إلى تملك الأراضي الموجودة تحت تصرفهم، فمنهم من بادر إلى تأسيس رسوم الملكية ومنهم من أقام شهادات على ملكيتهم لأراضي شاسعة رعوية عائدة لجماعات سلالية وغالبا ما يجوز المقتني العقار على وجه التملك على حساب أصحابها الشرعيين بمجرد إبرام عقد البيع.

إزاء الفوضى التي أصبحت تشكل خطرا على أملاك المخزن والأراضي الجماعية كان لزاما للحفاظ عليهما اتخاذ موقف حازم لمنع كل البيوعات التي تنصب على الأملاك المذكورة، فكانت أول مبادرة في هذا الشأن إصدار أول دورية بتاريخ فاتح نونبر 1912 عن الصدر الأعظم (الوزير الأول) الموجهة للعمال والقضاة والتي حددت الأملاك الغير قابلة للتفويت من بينها الأراضي المستغلة بشكل جماعي من طرف القبائل والحفاظ على طبيعتها من غير أن تكون موضوع بيع أو توزيع.

ثلث هذه الدورية دورية ثانية مؤرخة في 6 مارس 1914 أكدت على عدم قابلية الأراضي المذكورة للتفويت(للخواص والأشخاص الناشئين)، ومنعت أي مبادرة لتأسيس رسوم الملكية الخاصة على هذه الأراضي. ، كما تم إصدار الظهير الشريف المؤرخ في 7 يوليوز 1914 في شأن تنظيم القضاء المدني وتداول الملكية العقارية كما سن مسطرة بحث أطلق عليها اسم البطاقة للتأكد من أن الأرض المراد تملكها غير جماعية أو مخزنية أو تابعة للأحباس.

وجاء القرار الوزيري المؤرخ في 23 يناير 1915 ليؤسس ويضع البوادر الأولى لنظام الوصاية على الجماعات السلالية وذلك بإناطة مهمة حراسة الأملاك الجماعية لرجال السلطة والشيوخ والكاتب العام للحكومة ومساعدة الجماعات أمام القضاء.

وبتاريخ 21 نونبر 1956 صدر الظهير المنظم لتمثيلية الجماعات وذلك بخلق جماعات القبائل حيث كان تعيينهم يتم بواسطة قرار وزيري لمدة سنة.

وحسب Albert Guillaume في كتابة الملكية الجماعية بالمغرب، فإن هذا الظهير كاد أن يكون على أهمية بالغة لو لم ينص على رئاسة الجماعات من طرف الإدارة المحلية التي لم تكن ترغب في خلق جماعات رسمية بدعوى أن هذه الأخيرة تشكل تهديدا لسلطتها التي ستقتسمها مع أعيان القبائل.

وقبل الوقوف بتفصيل عند ظهير 27 أبريل 1919 الذي يعتبر بحق ميثاقا للأراضي الجماعية تبقى الإشارة إلى أنه بتاريخ 27 ماي1918 صدر قرار وزيري أناط بمديرية الشؤون الأهلية مهمة حراسة الأملاك الجماعية، كما نظم الوصاية على الجماعات السلالية حسب ما نص عليها القرار الوزيري المؤرخ في 27 يناير 1915.

ظهير 27 أبريل 1919: حسب ماوقع تعديله وتغييره بظهير 1963،

الأصل التاريخي. بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) انشغلت سلطات الحماية بمسألة تسهيل شراء الأراضي من طرف الأوروبيين الذين يرغبون في استثمارها وليس تحقيق أرباح عن طريق مضاربات فكان لزاما وضع قانون لضمان حماية الملكية الجماعية وحقوق القبائل تفاديا لتفويتها بطرق غير مشروعة، بهذا المنظور تم إصدار ظهير 27 أبريل 1919.

مفهوم الراضي الجماعية حسب ظهير 27 ابرايل 1919.

يفهم من منظوم الفصل الأول من هذا الظهير أن الأراضي الجماعية هي الأراضي المعدة للحرث أو الرعي المشترك بين القبائل حسب العوائق المألوفة في الاستغلال، فلأول مرة أضف الصبغة الجماعية على الأراضي التي لم يتم إحياؤها كما هو الشأن بالنسبة لأراضي الرعي والأراضي التي يتم فيها الاستقرار.

وانطلاقا من هذا المفهوم نستحضر رأي الباحث لوي ميليو الذي يعتقد بأن مفهوم الأراضي الجماعية ينطبق على ما يسمى بحريم الأراضي التي لا تحرث، هذا التعريف ما فتئ أن فقد مصداقيته لأن هناك أراضي رعوية منفصلة عن أراضي الحرث (أراضي الحرث توجد بالسهول والأرضي الرعوية توجد بالجبل) وفي بعض الأحيان توجد الأراضي الزراعية بمناطق الترس والأرض الرعوية بالمناطق الرملية والمناطق المكسوة بالأحجار، وحسب لوي ميليو louis Milliot كذلك أن الأراضي الجماعية هي ملكية للرحل les nomades بين السفح والجبل .

إزاء هذا المفهوم الضيق للأراضي الجماعية يرى ألبير كيوم Albert Guillaume في كتابه الملكية الجماعية بالمغرب la propriété collective au Maroc أن الأراضي الجماعة هي مؤسسة عرفية وجدت قبل دخول الإسلام ولها نظام خارج النظام الإسلامي.

وفي رأينا أن كل محاولة لتعريف الأراضي الجماعية حسب نوعية الاستغلال (حرث، رعي) لاتفي بالمطلوب، وقد أحسن المشرع صنعا عندما جعل من ظهير 27 أبريل 1919 (ظهير 6 فبراير 1963) ميثاقا لتدبير الأملاك الجماعية على اعتبار أن هذه الأخيرة لا تقتصر على الأراضي المعدة للحرث أو الرعي وإنما نجد الممتلكات الجماعية تشمل المقالع الرملية والحجرية والرخامية والغابات وبالتالي نخلص إلى أن مفهوم الأملاك الجماعية هو أوسع من مفهوم الأراضي الجماعية.

خصائص الملكية الجماعية:

لم يهتم العرف بالخصائص الثلاث التي تميز الملكية الجماعية المتمثلة في كونها غير قابلة للحجز والتفويت والتقادم، كما أن ظهير 27 أبريل 1919 قبل خضوعه للعديد من التعديلات لاسيما بواسطة ظهير 6 فبراير 1963 أجاز توزيع الأراضي التي يمكن تسليمها للعائلات وتفويتها في غضون 10 سنوات أي بعد استغلالها من طرف المستفيد ، غير أن هذا المقتضى الحق ضررا كبيرا بمبدأ عدم قابلية الأراضي الجماعية للتفويت. وتبعا لما سبق يمكن لذي حق ayant droit أن يتملك الأرض خلال المدة التي حددها الإسلام (7 سنوات) بموافقة باقي أعضاء الجماعة، أما الدولة فلها حق اقتناء أراضي الجموع عن طريق نزع الملكية من أجل المصلحة العامة، لذا يمكن أن نستنتج بأن ظهير 27 ابريل 1919 لم ينص صراحة على عدم قابلية أراضي الجموع للتفويت، ولم يتم الإقرار بذلك إلا بعد صدور النصوص القانونية المعدلة له.

وإذا كان ظهير 26 نونبر 1916 قد اعترف للجماعات السلالية بالشخصية المعنوية حيث خلق بصفة رسمية هيأة الجماعة واعترف لها بمهمة تمثيل القبائل فإن ظهير 27 أبريل 1919 اعترف لها بالشخصية المدنية. لها أملاك ومصالح مشتركة، كما تم الاعتراف لها بحق تدبير هذه الأملاك وأن تدافع عنها أمام المحاكم عملا بمقتضيات الفصل الثاني من ظهير 27 أبريل 1919 الذي رخص كذلك للجماعات السلالية بنقل سلطاتها لأشخاص تختارهم وفق الكيفيات الصحيحة المعتادة، يشكلون ما يسمى بالجماعة النيابية أو المجلس النيابي أو جمعية المندوبين أو نواب الجماعة.

المهام المنوطة بالجماعة النيابية (النواب).

1- القيام بتسيير وتدبير أملاك الجماعة وإجراء توزيعات موسمية عليها.

2- التعرض على عملية التحفيظ المطالب فيها من طرف الغير.

3- تمثيل الجماعة أمام القضاء.

4- إجراء عقود أكرية لا تتجاوز مدتها 3 سنوات

5- إبداء رأيها في شأن جميع المعاملات التي تدخل ضمن اختصاص الوسيط (المعاملات العقارية، الكراء بجميع أنواعه واستعمال الأرصدة المالية)، والجدير بالذاكرة الاختصاصات المخولة للجماعة النيابية تخضع لوصاية وزير الداخلية كما نص على ذلك الفصل 3 من ظهير 27 أبريل 1919 ويجوز له أن يستشير مجلس الوصاية (le conseil de tutelle) فما هي الأمور التي يتصرف فيها الوصيle tuteur بصورة انفرادية؟ وماهي اختصاصات مجلس الوصاية؟

مباشرة الوصي لاختصاصاته نيابة عن الجماعات السلالية:

يمثل الجماعات السلالية أمام المحاكم ويرخص لها بالترافع ضد الغير، وبإمكانه وضع القضايا إلى مجلس الوصاية خلال إحدى دوراته، يقوم كذلك بدراسة الطلبات المقدمة من طرف الجماعات السلالية كما يرخص لها بإبرام عقود الاشتراك الفلاحي يرفع كذلك التقارير إلى مجلس الوصاية وفي الأخير يسهر على تنفيذ تقارير هذا الأخير ويضبط حساب الجماعات السلالية.

تكوين مجلس الوصاية:

يرجع التكوين الحالي لمجلس الوصاية إلى ظهير 28 يوليوز 1956 الذي حدد أعضاء هذه الهيأة فيما يلي وزير الداخلية رئيسا وزير الفلاحة أو نائبه عضوا، مدير الشؤون السياسية لوزارة الداخلية، مدير الشؤون الإدارية لنفس الوزارة نائبا. يثم تعيينها من طرف السيد وزير الداخلية.

اختصاصات مجلس الوصاية

يقوم بدراسة جميع القضايا المهمة والتي تخص الجماعات الأصلية، كما يرخص التوزيع النهائي للأراضي الجماعية فيما بين أرباب العائلات كما يصادق على الصلح المبرم بين الجماعات السلالية وبين الغير بمناسبة دعوة جارية أمام المحاكم.

مجلس الوصاية مختص كذلك بتوظيف الأرصدة l’emploi du fond المتأتية من نزع الملكية ومن الأكرية ومن تفويت الأراضي الجماعية ومصادر أخرى.

أهم المقتضيات الواردة بظهير 27 أبريل 1919.

يستفاد من الفصل الأول أن الجماعات السلالية تتصرف بحقوق الملكية في الأراضي ذات الطابع الفلاحي أو الرعوي حسب الأعراف والعادات والأعراف السائدة داخل كل قبيلة، وفي مجال الاستغلال والتصرف وفق العادات تحت ولاية الدولة وهو ما نسميه حاليا بوصاية وزارة الداخلية على الجماعات السلالية، أما الفصل الثاني من هذا الظهير فقد اعترف للجماعات الأصلية بحق تدبير شؤونها من بينها الدفاع عن مصالحها أمام المحاكم، على أن تتم تصرفاتها تحت مراقبة ووصاية وزير الداخلية.و للقيام بهذه الأعمال تختار الجماعات ممثلين عنها يدعون نواب الجماعات السلالية أو الجماعات النيابية.

من بين أهم المقتضيات الواردة بهذا الظهير ما نص عليه الفصل الرابع في كون الأراضي الجماعية غير قابلة للتفويت والحجز والتقادم ** استخراج الرسم العقاري باسم الجماعة السلالية، ويطلب التحديد الإدارية الجزئي من المحافظ لتفويت الأرض** إلا أن المشرع أورد استثناء لهذا المنع في الفصل 11 حيث أجاز تفويت الأراضي الجماعية لفائدة الدولة والمؤسسات العمومية و الجماعات المحلية من أجل تحقيق مشاريع ذات مصلحة عامة ويكون هذا التفويت إما بالمراضاة أي بعد موافقة نواب الجماعة السلالية ومجلس الوصاية (الذين يوافق أولا على التفويت) أو بواسطة نزع الملكية في حالة عدم التواصل إلى اتفاق حول شروط التفويت، وتجدر الإشارة هنا إلى أن عملية التفويت إما أن تتم بشكل عادي أي مقابل الثمن الذي تحدده اللجنة الإدارية للتقييم commission d’expertise التي تقدم عناصر المقارنة التي على ضوئها يحدد الثمن.

بعد موافقة مجلس الوصاية أو عن طريق شراكة بين الجماعة السلالية صاحبة العقار وبين المؤسسة العمومية طالبة الاقتناء وهذا ما نلاحظ بمناسبة انجاز تجزءات سكنية.

في هذا السياق قامت وزارة الداخلية بتوجيه دورية تحت رقم 404 بتاريخ 11 غشت 1993 إلى السادة الولاة وعمالات وأقاليم المملكة بالإضافة إلى المدير العام للجماعات المحلية DGCL تناولت موضوع الطلبات المقدمة من طرف المؤسسات العمومية، الجماعات المحلية والدولة في شأن اقتناء العقارات الجماعية بهدف إحداث مشاريع **مسطرة إقرار الصديق وتفويت أراضي مفوتة للدولة في ضرف 48 ساعة مستثمر خاص شخص ذاتي (الوسيط القانوني) والمؤسسات العمومية** ذات نفع عام وذلك طبقا للفصل 11 من ظهير 27 ابريل 1919، وقد ركزت هذه الدورية على ضعف الأثمان المحددة من طرف اللجن الإدارية للتقييم بالمقارنة مع القيمة الحقيقية للعقارات المراد اقتناؤها مما يؤدي إلى رفضها من طرف مجلس الوصاية، الأمر الذي يؤثر على مسطرة التفويت، ثلث هذه الدورية، دورية أخرى تحت رقم 103 بتاريخ 26 يوليوز 1994. ولتفادي هذه الوضعية ارتأت سلطات الوصاية إ شراك ممثلين عن المصالح المركزية خلال اجتماعات اللجن الإدارية للتقييم مع الإشارة إن هذه المبادرة لن يكون لها أي تأثير على اختصاصات هذه اللجن : الفصل السادس كان واضحا بخصوص استغلال الأراضي الجماعية عن طريق عقود الاشتراك الجماعي أو الكراء حيث أوضح أن الجماعات بإمكانها أن تبرم بالمرضاةDegrés agrét هذه العقود وذلك بموافقة الوصي، كما أن تجديدها le reconduction لا يتم إلا بموافقة الوصي، الفصل 11 يعتبر من بين أهم الفصول الذي يتضمنها هذا الأخير (ض 27 ابريل 1919) حسب ما موقع تعديله وتتميمه بظهير 6 فبراير 1963، على اعتبارأن مقتضياته جاءت استثناء لما نص عليه الفصل 4 ففي الوقت الذي نص فيه هذا الأخير على مبدأ عدم قابلية الأراضي الجماعية للتفويت أجاز الفصل 11 تفويتها للدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية.**أما إذا أراد أحد الأشخاص الذاتيين إنشاء مشاريع فوق أراضي جماعية فإنه يتم إتباع مبدأ إقرار الصديق, حيث تقوم الدولة باقتناء الأرض عن طريق التفويت لها وتقوم في خلال 48 ساعة لتفويتها للشخص الذاتي. وهذا ما يسمى أيضا بالوسيط القانوني** .بعد موافقة الجماعة النيابية ومجلس الوصاية أو بواسطة مسطرة نزع الملكية وقد راع المشرع هذا الاستثناء بهدف تمكين الدولة من تحقيق وإنجاز مشاريع ذات نفع عام.

حدد الفصل الثاني عشر اختصاصات مجلس الوصاية الذي يعقد جلسات باستدعاء من طرف وزير الداخلية بصفته الوصي على الجماعات السلالية لدراسة الطلبات والمشاريع ويساعد مجلس الوصاية كاتب يعينه وزير الداخلية، وفي إطار دراسة الملفات المعروضة عليه، يقوم المجلس بتفحص الوثائق والطلبات والمذكرات التي يتخذ في شأنها قرارات غير مدعمة لأسباب وغير قابلة لأي طعن ويثم إجراء المسطرة أمام مجلس الوصاية بالمجان، نصل إلى الفصل الأخير، الفصل 16 الذي أثارت مقتضياته جذلا كبيرا في أوساط المهتمين بميدان الأراضي الجماعية أو بمناسبة جريان قضايا أمام المحاكم تنطوي على نزاعات بين أفراد الجماعات السلالية التي تتمتع بحق الاستغلال داخل الأراضي الجيشية، ولعل كثرة المشاكل والملفات المعروضة على العدالة هي التي جعلتها تحضى باهتمام العديد من الدارسين الذين تناولوا هذا الموضوع حيث نستنتج بأن الرأي الغالب هو أن الأراضي الجيشية غير خاضعة لمقتضيات ظهير 27 أبريل 1919، إيمانا منهم بأن الفصل 16 كان صريحا في هذا الباب، النص( لا تجري مقتضيات ظهيرنا الشريف هذا على الأراضي المختصة بالجيش ولا على الغابات).

**أراضي الجيش هي أراضي سلمها السلطان لقبائل مقابلة المشاركة في الحرب والدولة حق الرقابة وللقبيلة حق التصرف والجيش المفوت فحق الرقابة متنازل عنه من طرف الدولة لصالح الجماعة وتصبح الأرض أرض جماعية**.

التصفية القانونية للأراضي الجماعية:

صيانة الأراضي الجماعية أو المضنون أنها جماعية، تقوم مصالح الوصاية إما بنهج مسطرة التحفيظ العقاري أو التحديد الإداري، وعلى خلاف مسطرة التحفيظ العقاري فإن عملية DA تتم بالمجان بحيث لا تتحمل الجماعات السلالية أية مصاريف خاصة إذا علمنا بأن مسطرة DA تمكن من :

· إعضاء العقار وضعا قارا وآمنا

· طمـأنة الجماعة بان حقوقها لن تكون عرضة للضياع أو الترامي

· فتح مجال حقيقي للإستثمارات

· تمكين الوصي من التعرف على الوضعية العقارية للأرض موضوع التحديد الإداري

غير أن عمليةDA تواجهها بعض الصعوبات تتمثل فيمايلي:

1- شساعة العقارات الجماعية التي تفوق حسب الإحصائيات المتوفرة 12 مليون هكتار

2- عدم إلمام دوي الحقوق بأهمية وضرورة عمليات التحفيظ أو DA

3- العوامل البشرية المتمثلة في النزاعات ما بين القبائل .

ولتدليل هذه الصعاب يتعين القيام بحملات تحسيسية لذوي الحقوق وعلى الأخص نواب الجماعات.

وبتحليلنا لظهير 13 فبراير 1924 نلاحظ أن مقتضياته تتمحور أساسا حول جانبين، الأول ذو طابع تقني والثاني قانوني دون أن نغفل مسالة جوهرية تتمثل في ضرورة احترام الآجال Les délais.

إنجاز عمليات التحديد الإداري DA

تقوم لجنة مكونة من ممثلي الوزارة الوصية (إداريون ومهندسون) بالإضافة إلى ممثلي بعض المصالح الخارجية كنواب مصالح المياه والغابات والأشغال العمومية وأملاك الدولة، كما يحضر أشغال اللجنة، نواب الجماعات السلالية لتنوير أعضائها حول حدود العقار الجماعي المراد تحديده. والجدير بالإشارة أن هذه اللجنة تقوم بأعمالها تحت إشراف السلطات المحلية بصفتها الممثل المحلي للوصي على الجماعات السلالية.

وبناء على مقتضيات الفصل الثالث من هذا الأخير يثم تعيين تاريخ افتتاح اعمال التحديد الإداري بواسطة مرسوم Decrét (سابقا قرار وزيري) يكون مرفوقا بمطلب réquisition يثم إعداده من طرف الوزارة الوصية ويتضمن معلومات تهم من جهة الجماعات السلالية المالكة وأخرى تخص العقار الجماعي موضوع التحديد الإداري كالإسم المعروف به وحدوده ومساحته التقريبية وموقعه كما تتم الإشارة إلى القطع الحبيسةles enclaves داخل العقار الجماعي.

وقد نص الفصل الثالث على مقتضى بالغ الأهمية كونه منع تأسيس أي رسم تفويت سواء تعلق بتفويت الملكية أو التصرف ابتداء من تاريخ التحديد الإداري إلى تاريخ نشر مرسوم المصادقة. وإذا كان من شأن المقتضى السابق صيانة الممتلكات الجماعية من التملك الغير مشروع فقد حرص المشرع على احترام الحقوق المكتسبة لفائدة الغير وقد تجلى هذا الحرص في ضبط مسطرة التحديد الإداري من خلال الإجراءات الإدارية التي يتعين على الإدارة الوصية القيام بها والمتمثلة على الخصوص في احترام الآجال المنصوص عليها في ظهير 13 فبراير 1924 بدأ بالإعلان للعموم عن تاريخ افتتاح أشغال التحديد الإداري خلال مدة شهر قبل الشروع في إنجاز هذه العملية وذلك بواسطة إعلانات يتم نشرها وإلصاقها باللغتين العربية والفرنسية.

كما أن المرسوم والمطلب الذي يتم إعدادهما لهذا الغرض يقع نشرهما بالجريدة الرسمية شهرا قبل بدء عملية التحديد على المستوى المحلي تسهر السلطات المحلية على نشرهما وإبداعهما في الأوقات والأماكن العمومية.

ففي اليوم والساعة والمكان المحددة تحضر اللجنة ويتم أعلاه العموم بذلك وبافتتاح أشغال DA حتى تتم عملية المعاينة بحضور كافة المعنيين بما في ذلك نواب الجماعة وقد يقع تعرض على عملية التحديد أمام اللجنة التي تعمل على تقييده بمحضر التحديد وإذا لم يتسنى له ذلك بإمكان المتعرض أن يقيد تعرضه لذا السلطة المحلية مصحوبا بتصميم العقار الجماعي المحدد ونسخة أخرى لذا المحافظ على الأملاك العقارية، وبموازات مع ذلك يتم نشر إيداع محضر DA لذا السلطة المحلية والمحافظة وهذا ما يسمى بالإشهار الثاني كما يتم الإعلان عن الإيداع للعموم بواسطة الإشهار والإلصاق خلال مدة 6 أشهر.

يمكن لأي متعرض فضلا عن إمكانية التعرض لذا اللجنة أن يسجل تعرضه لذا السلطة المحلية ويتم احتساب هذه المدة ابتداءا من تاريخ نشر الإعلان عن إيداع محضر التحديد الإداري بالجريدة الرسمية والأصل أن يكون التعرض كتابيا ومتضمنا لموضوع التعرض ووسائل وحجم التعرض وأما إذا كان التعرض شفويا يتعين على السلطة المحلية تحرير محضر بتلقى التعرض. يتم ضمه إلى محضر التحديد وقائمة التعرضات التي قدمت للجنة، وبمجرد مرور الستة أشهر يقفل سجل التعرضات، ولتأكيد التعرض المقدم ضد مسطرة التحديث يجب على المتعرض أن يقوم بإيداع مطلب التحديد داخل أجل 3 أشهر إبتداء من تاريخ انتهاء التعرض.

وفي حالة تقاعس المتعرض على القيام بهدا الإجراء يتم إلغاء تعرضه ما لم يعترف له مجلس الوصاية بالحقوق العينية المطالب بها بعد انجاز ملحق تعديلي Avenant à la limitation لمحضر التحديد الإداري، بعد الانتهاء من هذه المرحلة نصل إلى المسطرة المتعلقة بالمصادقة على أعمال التحديد الإداري حيث يثم توجيه محضر اللجنة الإدارية مصحوبا بنسخة شهادة عدم التعرض C. non opposition المسلمة من طرف المحافظ بالإضافة إلى 5 نسخ من التصميم النهائي plan définitif إلى السلطات العليا (الوزارة الأولى) من أجل المصادقة على أعمال التحديد الإداري التي تتم بواسطة مرسوم بعد التأشير عليه بالعطف من طرف وزير الداخلية بصفته وصيا على الجماعة السلالية صاحبة التحديد الإداري وفي حالته عدم اعتراف الجماعة السلالية ومجلس الوصاية المتعرض بالحقوق المطالب بها، يعمل المحافظ على توجيه ملف التحديد مرفوقا بمطالب التحفيظ المودعة (على مستوى المحافظة العقارية من أجل تأكيد التعرضات) إلى المحكمة**وثيقة الإذن بالترافع هي وثيقة يسلمها وزير الداخلية بعد إجراء بحث لذا السلطة المحلية، ويتسلمها نائب السلطة الجماعية وفقا للفصل 5 من الظهير 27 أبريل 1919** المتخصصة للبث في التعرضات وبالتالي لا تتم المصادقة على عمليات التحديد الإداري بعد صدور الأحكام النهائية في الموضوع والتي قد تكون لفائدة الجماعة أو ضدها، ففي الحالة الأخيرة يقوم المحافظ بتطبيق الأحكام واستئناف المسطرة، واستخراج العقارات العائدة للمتعرضين قبل تزويد الوصاية بالتصميم النهائي للتحديد الإداري وشهادة عدم التعرض.

الفصل 10 من الظهير 1924-21/18الأراضي الجماعية

النصوص القانونية المنظمة للأراضي الجماعية:

لقد ظلت الأراضي الجماعية les terres collectives تستغل حسب الأعراف في كل قبيلة حتى بداية القرن 20 حيث أصبح من الضروري دفاعا عن مصالح هذه الجماعات وحفاظا على ثرواتها من الضياع (13 مليون هكتارا) ومنعا لكل استحواذ أو ترام وضع قانون يهدف إلى تحديد هذا النوع من العقارات وضبط العلاقات بين مستغليها وسن مسطرة لتسيير شؤونها.

فبمجرد دخول الفرنسيين إلى المغرب في إطار تطبيق نظام الحماية لوحظت ظاهرة المضاربات العقارية في العالم القروي والمتمثلة في السيل الجارف للاقتناء التي بمقتضاها اشترى الفرنسيون مساحات شاسعة من كتب المغاربة مقابل مبالغ مالية جد مغرية و حتى تتم عمليات البيع بناء على سندات تتبث ملكية البائعين للعقارات المراد تفويتها لجأ المعنيون بالأمر إلى تملك الأراضي الموجودة تحت تصرفهم، فمنهم من بادر إلى تأسيس رسوم الملكية ومنهم من أقام شهادات على ملكيتهم لأراضي شاسعة رعوية عائدة لجماعات سلالية وغالبا ما يجوز المقتني العقار على وجه التملك على حساب أصحابها الشرعيين بمجرد إبرام عقد البيع.

إزاء الفوضى التي أصبحت تشكل خطرا على أملاك المخزن والأراضي الجماعية كان لزاما للحفاظ عليهما اتخاذ موقف حازم لمنع كل البيوعات التي تنصب على الأملاك المذكورة، فكانت أول مبادرة في هذا الشأن إصدار أول دورية بتاريخ فاتح نونبر 1912 عن الصدر الأعظم (الوزير الأول) الموجهة للعمال والقضاة والتي حددت الأملاك الغير قابلة للتفويت من بينها الأراضي المستغلة بشكل جماعي من طرف القبائل والحفاظ على طبيعتها من غير أن تكون موضوع بيع أو توزيع.

ثلث هذه الدورية دورية ثانية مؤرخة في 6 مارس 1914 أكدت على عدم قابلية الأراضي المذكورة للتفويت(للخواص والأشخاص الناشئين)، ومنعت أي مبادرة لتأسيس رسوم الملكية الخاصة على هذه الأراضي. ، كما تم إصدار الظهير الشريف المؤرخ في 7 يوليوز 1914 في شأن تنظيم القضاء المدني وتداول الملكية العقارية كما سن مسطرة بحث أطلق عليها اسم البطاقة للتأكد من أن الأرض المراد تملكها غير جماعية أو مخزنية أو تابعة للأحباس.

وجاء القرار الوزيري المؤرخ في 23 يناير 1915 ليؤسس ويضع البوادر الأولى لنظام الوصاية على الجماعات السلالية وذلك بإناطة مهمة حراسة الأملاك الجماعية لرجال السلطة والشيوخ والكاتب العام للحكومة ومساعدة الجماعات أمام القضاء.

وبتاريخ 21 نونبر 1956 صدر الظهير المنظم لتمثيلية الجماعات وذلك بخلق جماعات القبائل حيث كان تعيينهم يتم بواسطة قرار وزيري لمدة سنة.

وحسب Albert Guillaume في كتابة الملكية الجماعية بالمغرب، فإن هذا الظهير كاد أن يكون على أهمية بالغة لو لم ينص على رئاسة الجماعات من طرف الإدارة المحلية التي لم تكن ترغب في خلق جماعات رسمية بدعوى أن هذه الأخيرة تشكل تهديدا لسلطتها التي ستقتسمها مع أعيان القبائل.

وقبل الوقوف بتفصيل عند ظهير 27 أبريل 1919 الذي يعتبر بحق ميثاقا للأراضي الجماعية تبقى الإشارة إلى أنه بتاريخ 27 ماي1918 صدر قرار وزيري أناط بمديرية الشؤون الأهلية مهمة حراسة الأملاك الجماعية، كما نظم الوصاية على الجماعات السلالية حسب ما نص عليها القرار الوزيري المؤرخ في 27 يناير 1915.

ظهير 27 أبريل 1919: حسب ماوقع تعديله وتغييره بظهير 1963،

الأصل التاريخي. بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) انشغلت سلطات الحماية بمسألة تسهيل شراء الأراضي من طرف الأوروبيين الذين يرغبون في استثمارها وليس تحقيق أرباح عن طريق مضاربات فكان لزاما وضع قانون لضمان حماية الملكية الجماعية وحقوق القبائل تفاديا لتفويتها بطرق غير مشروعة، بهذا المنظور تم إصدار ظهير 27 أبريل 1919.

مفهوم الراضي الجماعية حسب ظهير 27 ابرايل 1919.

يفهم من منظوم الفصل الأول من هذا الظهير أن الأراضي الجماعية هي الأراضي المعدة للحرث أو الرعي المشترك بين القبائل حسب العوائق المألوفة في الاستغلال، فلأول مرة أضف الصبغة الجماعية على الأراضي التي لم يتم إحياؤها كما هو الشأن بالنسبة لأراضي الرعي والأراضي التي يتم فيها الاستقرار.

وانطلاقا من هذا المفهوم نستحضر رأي الباحث لوي ميليو الذي يعتقد بأن مفهوم الأراضي الجماعية ينطبق على ما يسمى بحريم الأراضي التي لا تحرث، هذا التعريف ما فتئ أن فقد مصداقيته لأن هناك أراضي رعوية منفصلة عن أراضي الحرث (أراضي الحرث توجد بالسهول والأرضي الرعوية توجد بالجبل) وفي بعض الأحيان توجد الأراضي الزراعية بمناطق الترس والأرض الرعوية بالمناطق الرملية والمناطق المكسوة بالأحجار، وحسب لوي ميليو louis Milliot كذلك أن الأراضي الجماعية هي ملكية للرحل les nomades بين السفح والجبل .

إزاء هذا المفهوم الضيق للأراضي الجماعية يرى ألبير كيوم Albert Guillaume في كتابه الملكية الجماعية بالمغرب la propriété collective au Maroc أن الأراضي الجماعة هي مؤسسة عرفية وجدت قبل دخول الإسلام ولها نظام خارج النظام الإسلامي.

وفي رأينا أن كل محاولة لتعريف الأراضي الجماعية حسب نوعية الاستغلال (حرث، رعي) لاتفي بالمطلوب، وقد أحسن المشرع صنعا عندما جعل من ظهير 27 أبريل 1919 (ظهير 6 فبراير 1963) ميثاقا لتدبير الأملاك الجماعية على اعتبار أن هذه الأخيرة لا تقتصر على الأراضي المعدة للحرث أو الرعي وإنما نجد الممتلكات الجماعية تشمل المقالع الرملية والحجرية والرخامية والغابات وبالتالي نخلص إلى أن مفهوم الأملاك الجماعية هو أوسع من مفهوم الأراضي الجماعية.

خصائص الملكية الجماعية:

لم يهتم العرف بالخصائص الثلاث التي تميز الملكية الجماعية المتمثلة في كونها غير قابلة للحجز والتفويت والتقادم، كما أن ظهير 27 أبريل 1919 قبل خضوعه للعديد من التعديلات لاسيما بواسطة ظهير 6 فبراير 1963 أجاز توزيع الأراضي التي يمكن تسليمها للعائلات وتفويتها في غضون 10 سنوات أي بعد استغلالها من طرف المستفيد ، غير أن هذا المقتضى الحق ضررا كبيرا بمبدأ عدم قابلية الأراضي الجماعية للتفويت. وتبعا لما سبق يمكن لذي حق ayant droit أن يتملك الأرض خلال المدة التي حددها الإسلام (7 سنوات) بموافقة باقي أعضاء الجماعة، أما الدولة فلها حق اقتناء أراضي الجموع عن طريق نزع الملكية من أجل المصلحة العامة، لذا يمكن أن نستنتج بأن ظهير 27 ابريل 1919 لم ينص صراحة على عدم قابلية أراضي الجموع للتفويت، ولم يتم الإقرار بذلك إلا بعد صدور النصوص القانونية المعدلة له.

وإذا كان ظهير 26 نونبر 1916 قد اعترف للجماعات السلالية بالشخصية المعنوية حيث خلق بصفة رسمية هيأة الجماعة واعترف لها بمهمة تمثيل القبائل فإن ظهير 27 أبريل 1919 اعترف لها بالشخصية المدنية. لها أملاك ومصالح مشتركة، كما تم الاعتراف لها بحق تدبير هذه الأملاك وأن تدافع عنها أمام المحاكم عملا بمقتضيات الفصل الثاني من ظهير 27 أبريل 1919 الذي رخص كذلك للجماعات السلالية بنقل سلطاتها لأشخاص تختارهم وفق الكيفيات الصحيحة المعتادة، يشكلون ما يسمى بالجماعة النيابية أو المجلس النيابي أو جمعية المندوبين أو نواب الجماعة.

المهام المنوطة بالجماعة النيابية (النواب).

1- القيام بتسيير وتدبير أملاك الجماعة وإجراء توزيعات موسمية عليها.

2- التعرض على عملية التحفيظ المطالب فيها من طرف الغير.

3- تمثيل الجماعة أمام القضاء.

4- إجراء عقود أكرية لا تتجاوز مدتها 3 سنوات

5- إبداء رأيها في شأن جميع المعاملات التي تدخل ضمن اختصاص الوسيط (المعاملات العقارية، الكراء بجميع أنواعه واستعمال الأرصدة المالية)، والجدير بالذاكرة الاختصاصات المخولة للجماعة النيابية تخضع لوصاية وزير الداخلية كما نص على ذلك الفصل 3 من ظهير 27 أبريل 1919 ويجوز له أن يستشير مجلس الوصاية (le conseil de tutelle) فما هي الأمور التي يتصرف فيها الوصيle tuteur بصورة انفرادية؟ وماهي اختصاصات مجلس الوصاية؟

مباشرة الوصي لاختصاصاته نيابة عن الجماعات السلالية:

يمثل الجماعات السلالية أمام المحاكم ويرخص لها بالترافع ضد الغير، وبإمكانه وضع القضايا إلى مجلس الوصاية خلال إحدى دوراته، يقوم كذلك بدراسة الطلبات المقدمة من طرف الجماعات السلالية كما يرخص لها بإبرام عقود الاشتراك الفلاحي يرفع كذلك التقارير إلى مجلس الوصاية وفي الأخير يسهر على تنفيذ تقارير هذا الأخير ويضبط حساب الجماعات السلالية.

تكوين مجلس الوصاية:

يرجع التكوين الحالي لمجلس الوصاية إلى ظهير 28 يوليوز 1956 الذي حدد أعضاء هذه الهيأة فيما يلي وزير الداخلية رئيسا وزير الفلاحة أو نائبه عضوا، مدير الشؤون السياسية لوزارة الداخلية، مدير الشؤون الإدارية لنفس الوزارة نائبا. يثم تعيينها من طرف السيد وزير الداخلية.

اختصاصات مجلس الوصاية

يقوم بدراسة جميع القضايا المهمة والتي تخص الجماعات الأصلية، كما يرخص التوزيع النهائي للأراضي الجماعية فيما بين أرباب العائلات كما يصادق على الصلح المبرم بين الجماعات السلالية وبين الغير بمناسبة دعوة جارية أمام المحاكم.

مجلس الوصاية مختص كذلك بتوظيف الأرصدة l’emploi du fond المتأتية من نزع الملكية ومن الأكرية ومن تفويت الأراضي الجماعية ومصادر أخرى.

أهم المقتضيات الواردة بظهير 27 أبريل 1919.

يستفاد من الفصل الأول أن الجماعات السلالية تتصرف بحقوق الملكية في الأراضي ذات الطابع الفلاحي أو الرعوي حسب الأعراف والعادات والأعراف السائدة داخل كل قبيلة، وفي مجال الاستغلال والتصرف وفق العادات تحت ولاية الدولة وهو ما نسميه حاليا بوصاية وزارة الداخلية على الجماعات السلالية، أما الفصل الثاني من هذا الظهير فقد اعترف للجماعات الأصلية بحق تدبير شؤونها من بينها الدفاع عن مصالحها أمام المحاكم، على أن تتم تصرفاتها تحت مراقبة ووصاية وزير الداخلية.و للقيام بهذه الأعمال تختار الجماعات ممثلين عنها يدعون نواب الجماعات السلالية أو الجماعات النيابية.

من بين أهم المقتضيات الواردة بهذا الظهير ما نص عليه الفصل الرابع في كون الأراضي الجماعية غير قابلة للتفويت والحجز والتقادم ** استخراج الرسم العقاري باسم الجماعة السلالية، ويطلب التحديد الإدارية الجزئي من المحافظ لتفويت الأرض** إلا أن المشرع أورد استثناء لهذا المنع في الفصل 11 حيث أجاز تفويت الأراضي الجماعية لفائدة الدولة والمؤسسات العمومية و الجماعات المحلية من أجل تحقيق مشاريع ذات مصلحة عامة ويكون هذا التفويت إما بالمراضاة أي بعد موافقة نواب الجماعة السلالية ومجلس الوصاية (الذين يوافق أولا على التفويت) أو بواسطة نزع الملكية في حالة عدم التواصل إلى اتفاق حول شروط التفويت، وتجدر الإشارة هنا إلى أن عملية التفويت إما أن تتم بشكل عادي أي مقابل الثمن الذي تحدده اللجنة الإدارية للتقييم commission d’expertise التي تقدم عناصر المقارنة التي على ضوئها يحدد الثمن.

بعد موافقة مجلس الوصاية أو عن طريق شراكة بين الجماعة السلالية صاحبة العقار وبين المؤسسة العمومية طالبة الاقتناء وهذا ما نلاحظ بمناسبة انجاز تجزءات سكنية.

في هذا السياق قامت وزارة الداخلية بتوجيه دورية تحت رقم 404 بتاريخ 11 غشت 1993 إلى السادة الولاة وعمالات وأقاليم المملكة بالإضافة إلى المدير العام للجماعات المحلية DGCL تناولت موضوع الطلبات المقدمة من طرف المؤسسات العمومية، الجماعات المحلية والدولة في شأن اقتناء العقارات الجماعية بهدف إحداث مشاريع **مسطرة إقرار الصديق وتفويت أراضي مفوتة للدولة في ضرف 48 ساعة مستثمر خاص شخص ذاتي (الوسيط القانوني) والمؤسسات العمومية** ذات نفع عام وذلك طبقا للفصل 11 من ظهير 27 ابريل 1919، وقد ركزت هذه الدورية على ضعف الأثمان المحددة من طرف اللجن الإدارية للتقييم بالمقارنة مع القيمة الحقيقية للعقارات المراد اقتناؤها مما يؤدي إلى رفضها من طرف مجلس الوصاية، الأمر الذي يؤثر على مسطرة التفويت، ثلث هذه الدورية، دورية أخرى تحت رقم 103 بتاريخ 26 يوليوز 1994. ولتفادي هذه الوضعية ارتأت سلطات الوصاية إ شراك ممثلين عن المصالح المركزية خلال اجتماعات اللجن الإدارية للتقييم مع الإشارة إن هذه المبادرة لن يكون لها أي تأثير على اختصاصات هذه اللجن : الفصل السادس كان واضحا بخصوص استغلال الأراضي الجماعية عن طريق عقود الاشتراك الجماعي أو الكراء حيث أوضح أن الجماعات بإمكانها أن تبرم بالمرضاةDegrés agrét هذه العقود وذلك بموافقة الوصي، كما أن تجديدها le reconduction لا يتم إلا بموافقة الوصي، الفصل 11 يعتبر من بين أهم الفصول الذي يتضمنها هذا الأخير (ض 27 ابريل 1919) حسب ما موقع تعديله وتتميمه بظهير 6 فبراير 1963، على اعتبارأن مقتضياته جاءت استثناء لما نص عليه الفصل 4 ففي الوقت الذي نص فيه هذا الأخير على مبدأ عدم قابلية الأراضي الجماعية للتفويت أجاز الفصل 11 تفويتها للدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية.**أما إذا أراد أحد الأشخاص الذاتيين إنشاء مشاريع فوق أراضي جماعية فإنه يتم إتباع مبدأ إقرار الصديق, حيث تقوم الدولة باقتناء الأرض عن طريق التفويت لها وتقوم في خلال 48 ساعة لتفويتها للشخص الذاتي. وهذا ما يسمى أيضا بالوسيط القانوني** .بعد موافقة الجماعة النيابية ومجلس الوصاية أو بواسطة مسطرة نزع الملكية وقد راع المشرع هذا الاستثناء بهدف تمكين الدولة من تحقيق وإنجاز مشاريع ذات نفع عام.

حدد الفصل الثاني عشر اختصاصات مجلس الوصاية الذي يعقد جلسات باستدعاء من طرف وزير الداخلية بصفته الوصي على الجماعات السلالية لدراسة الطلبات والمشاريع ويساعد مجلس الوصاية كاتب يعينه وزير الداخلية، وفي إطار دراسة الملفات المعروضة عليه، يقوم المجلس بتفحص الوثائق والطلبات والمذكرات التي يتخذ في شأنها قرارات غير مدعمة لأسباب وغير قابلة لأي طعن ويثم إجراء المسطرة أمام مجلس الوصاية بالمجان، نصل إلى الفصل الأخير، الفصل 16 الذي أثارت مقتضياته جذلا كبيرا في أوساط المهتمين بميدان الأراضي الجماعية أو بمناسبة جريان قضايا أمام المحاكم تنطوي على نزاعات بين أفراد الجماعات السلالية التي تتمتع بحق الاستغلال داخل الأراضي الجيشية، ولعل كثرة المشاكل والملفات المعروضة على العدالة هي التي جعلتها تحضى باهتمام العديد من الدارسين الذين تناولوا هذا الموضوع حيث نستنتج بأن الرأي الغالب هو أن الأراضي الجيشية غير خاضعة لمقتضيات ظهير 27 أبريل 1919، إيمانا منهم بأن الفصل 16 كان صريحا في هذا الباب، النص( لا تجري مقتضيات ظهيرنا الشريف هذا على الأراضي المختصة بالجيش ولا على الغابات).

**أراضي الجيش هي أراضي سلمها السلطان لقبائل مقابلة المشاركة في الحرب والدولة حق الرقابة وللقبيلة حق التصرف والجيش المفوت فحق الرقابة متنازل عنه من طرف الدولة لصالح الجماعة وتصبح الأرض أرض جماعية**.

التصفية القانونية للأراضي الجماعية:

صيانة الأراضي الجماعية أو المضنون أنها جماعية، تقوم مصالح الوصاية إما بنهج مسطرة التحفيظ العقاري أو التحديد الإداري، وعلى خلاف مسطرة التحفيظ العقاري فإن عملية DA تتم بالمجان بحيث لا تتحمل الجماعات السلالية أية مصاريف خاصة إذا علمنا بأن مسطرة DA تمكن من :

· إعضاء العقار وضعا قارا وآمنا

· طمـأنة الجماعة بان حقوقها لن تكون عرضة للضياع أو الترامي

· فتح مجال حقيقي للإستثمارات

· تمكين الوصي من التعرف على الوضعية العقارية للأرض موضوع التحديد الإداري

غير أن عمليةDA تواجهها بعض الصعوبات تتمثل فيمايلي:

1- شساعة العقارات الجماعية التي تفوق حسب الإحصائيات المتوفرة 12 مليون هكتار

2- عدم إلمام دوي الحقوق بأهمية وضرورة عمليات التحفيظ أو DA

3- العوامل البشرية المتمثلة في النزاعات ما بين القبائل .

ولتدليل هذه الصعاب يتعين القيام بحملات تحسيسية لذوي الحقوق وعلى الأخص نواب الجماعات.

وبتحليلنا لظهير 13 فبراير 1924 نلاحظ أن مقتضياته تتمحور أساسا حول جانبين، الأول ذو طابع تقني والثاني قانوني دون أن نغفل مسالة جوهرية تتمثل في ضرورة احترام الآجال Les délais.

إنجاز عمليات التحديد الإداري DA

تقوم لجنة مكونة من ممثلي الوزارة الوصية (إداريون ومهندسون) بالإضافة إلى ممثلي بعض المصالح الخارجية كنواب مصالح المياه والغابات والأشغال العمومية وأملاك الدولة، كما يحضر أشغال اللجنة، نواب الجماعات السلالية لتنوير أعضائها حول حدود العقار الجماعي المراد تحديده. والجدير بالإشارة أن هذه اللجنة تقوم بأعمالها تحت إشراف السلطات المحلية بصفتها الممثل المحلي للوصي على الجماعات السلالية.

وبناء على مقتضيات الفصل الثالث من هذا الأخير يثم تعيين تاريخ افتتاح اعمال التحديد الإداري بواسطة مرسوم Decrét (سابقا قرار وزيري) يكون مرفوقا بمطلب réquisition يثم إعداده من طرف الوزارة الوصية ويتضمن معلومات تهم من جهة الجماعات السلالية المالكة وأخرى تخص العقار الجماعي موضوع التحديد الإداري كالإسم المعروف به وحدوده ومساحته التقريبية وموقعه كما تتم الإشارة إلى القطع الحبيسةles enclaves داخل العقار الجماعي.

وقد نص الفصل الثالث على مقتضى بالغ الأهمية كونه منع تأسيس أي رسم تفويت سواء تعلق بتفويت الملكية أو التصرف ابتداء من تاريخ التحديد الإداري إلى تاريخ نشر مرسوم المصادقة. وإذا كان من شأن المقتضى السابق صيانة الممتلكات الجماعية من التملك الغير مشروع فقد حرص المشرع على احترام الحقوق المكتسبة لفائدة الغير وقد تجلى هذا الحرص في ضبط مسطرة التحديد الإداري من خلال الإجراءات الإدارية التي يتعين على الإدارة الوصية القيام بها والمتمثلة على الخصوص في احترام الآجال المنصوص عليها في ظهير 13 فبراير 1924 بدأ بالإعلان للعموم عن تاريخ افتتاح أشغال التحديد الإداري خلال مدة شهر قبل الشروع في إنجاز هذه العملية وذلك بواسطة إعلانات يتم نشرها وإلصاقها باللغتين العربية والفرنسية.

كما أن المرسوم والمطلب الذي يتم إعدادهما لهذا الغرض يقع نشرهما بالجريدة الرسمية شهرا قبل بدء عملية التحديد على المستوى المحلي تسهر السلطات المحلية على نشرهما وإبداعهما في الأوقات والأماكن العمومية.

ففي اليوم والساعة والمكان المحددة تحضر اللجنة ويتم أعلاه العموم بذلك وبافتتاح أشغال DA حتى تتم عملية المعاينة بحضور كافة المعنيين بما في ذلك نواب الجماعة وقد يقع تعرض على عملية التحديد أمام اللجنة التي تعمل على تقييده بمحضر التحديد وإذا لم يتسنى له ذلك بإمكان المتعرض أن يقيد تعرضه لذا السلطة المحلية مصحوبا بتصميم العقار الجماعي المحدد ونسخة أخرى لذا المحافظ على الأملاك العقارية، وبموازات مع ذلك يتم نشر إيداع محضر DA لذا السلطة المحلية والمحافظة وهذا ما يسمى بالإشهار الثاني كما يتم الإعلان عن الإيداع للعموم بواسطة الإشهار والإلصاق خلال مدة 6 أشهر.

يمكن لأي متعرض فضلا عن إمكانية التعرض لذا اللجنة أن يسجل تعرضه لذا السلطة المحلية ويتم احتساب هذه المدة ابتداءا من تاريخ نشر الإعلان عن إيداع محضر التحديد الإداري بالجريدة الرسمية والأصل أن يكون التعرض كتابيا ومتضمنا لموضوع التعرض ووسائل وحجم التعرض وأما إذا كان التعرض شفويا يتعين على السلطة المحلية تحرير محضر بتلقى التعرض. يتم ضمه إلى محضر التحديد وقائمة التعرضات التي قدمت للجنة، وبمجرد مرور الستة أشهر يقفل سجل التعرضات، ولتأكيد التعرض المقدم ضد مسطرة التحديث يجب على المتعرض أن يقوم بإيداع مطلب التحديد داخل أجل 3 أشهر إبتداء من تاريخ انتهاء التعرض.

وفي حالة تقاعس المتعرض على القيام بهدا الإجراء يتم إلغاء تعرضه ما لم يعترف له مجلس الوصاية بالحقوق العينية المطالب بها بعد انجاز ملحق تعديلي Avenant à la limitation لمحضر التحديد الإداري، بعد الانتهاء من هذه المرحلة نصل إلى المسطرة المتعلقة بالمصادقة على أعمال التحديد الإداري حيث يثم توجيه محضر اللجنة الإدارية مصحوبا بنسخة شهادة عدم التعرض C. non opposition المسلمة من طرف المحافظ بالإضافة إلى 5 نسخ من التصميم النهائي plan définitif إلى السلطات العليا (الوزارة الأولى) من أجل المصادقة على أعمال التحديد الإداري التي تتم بواسطة مرسوم بعد التأشير عليه بالعطف من طرف وزير الداخلية بصفته وصيا على الجماعة السلالية صاحبة التحديد الإداري وفي حالته عدم اعتراف الجماعة السلالية ومجلس الوصاية المتعرض بالحقوق المطالب بها، يعمل المحافظ على توجيه ملف التحديد مرفوقا بمطالب التحفيظ المودعة (على مستوى المحافظة العقارية من أجل تأكيد التعرضات) إلى المحكمة**وثيقة الإذن بالترافع هي وثيقة يسلمها وزير الداخلية بعد إجراء بحث لذا السلطة المحلية، ويتسلمها نائب السلطة الجماعية وفقا للفصل 5 من الظهير 27 أبريل 1919** المتخصصة للبث في التعرضات وبالتالي لا تتم المصادقة على عمليات التحديد الإداري بعد صدور الأحكام النهائية في الموضوع والتي قد تكون لفائدة الجماعة أو ضدها، ففي الحالة الأخيرة يقوم المحافظ بتطبيق الأحكام واستئناف المسطرة، واستخراج العقارات العائدة للمتعرضين قبل تزويد الوصاية بالتصميم النهائي للتحديد الإداري وشهادة عدم التعرض.

الفصل 10 من الظهير 1924-21/18